هدى سحلي تكتب: أين أخطأ دعاة ’’تعليق حملة المقاطعة‘‘

3

حين اطلعت على نداء ’’وقف حملة المقاطعة‘‘ ولائحة الموقعين عليه، أصبت بالذهول، بحكم معرفتي القريبة بأغلبهم، كما أن جلهم كانوا ممن ناصروا حملة المقاطعة منذ بدايتها، في شهر أبريل الماضي، وحتى قبل أن تلتحق احزاب يسارية بالحملة ودعمها سياسيا، واعتقدت أن في الأمر إشاعة أو خطأ ما، فبادرت بالاتصال ببعضهم، بغية تكذيب النداء، غير أني فوجئت بصحته.

في بادئ الأمر انتابني بعض الغضب والتهكم من المبادرة فقلت ’’واش حماقو هادو‘‘، لكن سرعان ما تحولت من حالة الغضب النفسي إلى حالة السؤال، والبحث عن فهم دوافعهم وتقديراتهم التي حذت بهم إلى اتخاذ خطوة جريئة كهاته في مواجة جمهور المقاطعين.

وبعد الاطلاع على مبررات وحجج تعليق حملة المقاطعة، التي أدلى بها بعض الموقعين للمنابر الإعلامية، يمكن للفرد أن يقف على وجاهتها في بعض جوانبها: حيث اعتبر دعاة ’’تعليق المقاطعة‘‘ لمدة محدودة، أنه لنجاح أي معركة نضالية، لابد من خضوعها لاستراتيجية عمل، يتم بناء عليها تحديد الأهداف العامة والخاصة على المدى القريب والمتوسط والبعيد، وقياسا على هاته الأهداف، يمكن تقييم مدى نجاح المعركة، المكتسبات التي حققتها، وردود الفعل التي خلفتها لدى الخصوم، بعدها يمكن إعادة إطلاق المعركة Re-lancement  في اتجاه تحقيق مكاسب إضافية.

وفي هذا السياق، رأى دعاة التعليق، أنه من باب التفاعل الايجابي، والممارسة السياسية، يستحب وقف حملة المقاطعة لمنتوج استهلاكي واحد، هو حليب شركة سنطرال دانون، التي حل مديرها الرئيس بالمغرب الأيام الماضية، وعقد لقاءا تواصليا مع بعض المنابر الإعلامية، أعلن فيه عن جملة من التعهدات والالتزامات تفاعلا مع مطالب جمهور المقاطعين، وذلك لفتح المجال للشركة لأجرأة تعهداتها من جهة، ومن جهة ثانية، بعث رسالة إلى باقي الشركات المعنية بحملة المقاطعة ’’افريقيا غاز وسيدي علي‘‘ مفادها ’’كفى عجرفة، ودفعها للتفاعل مع حملة المقاطعة، عوض التزام الصمت والمراهنة على موت الحملة ذاتيا‘‘.

تبدو هذه الدوافع للوهلة الأولى عقلانية وموضوعية، لكنها ووجهت بكثير من الامتعاض والاستنكار، وصل حد تخوين أصحاب النداء، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى طبيعة الجمهور الذي تبنى وانخرط في الحملة، وكذا الشروط القبلية عن حملة المقاطعة.

 فأين أخطأ دعاة ’’تعليق المقاطعة‘‘ التقدير؟

في اعتقادي أغفل نداء تعليق المقاطعة، خاصية أساسية لحملة المقاطعة، يجعل من دوافعهم خارج السياق، وهي كون الحملة تعكس دينامية العلاقة بين الجماهير والسلطة، لا تخضع لاليات التحليل السياسي المحض، أي أنها ليست حركة سياسية، وإن كانت لها تأثيرات سياسية، إنما يجب تحليلها من كونها حالة سيكولوجية جماهيرية.

نتفق جميعا، أن اعتماد حملة المقاطعة كخيار لمواجهة استبداد السلطة، وتعنتها في الاستجابة لمطالب المغاربة، جاءت نتيجة لتطور وعي المواطن، وحصيلة تراكم نضالات طويلة في مواجهة الدولة، التي اختارت تسييد العنف والترهيب والرقابة، تارة لمنع أي تكثل جماهيري، وتارة أخرى تغليب المقاربة الأمنية والقضائية، للقضاء على أي حراك اجتماعي واحتجاجي من شأنه تهديد مصالح المالكين بزمام أمور الدولة، فكانت حملة المقاطعة الجواب الذكي للمواطنين، من أجل تهديد مصالح الفئة الحاكمة وإجبارها على التنازل لمطالب الشعب، دون عواقب جانبية أو انتقامية، كما حصل مع حراك الريف وحراك جرادة وزاكورة وعدد من المناطق التي عاشت على وقع احتجاجات قوية خلال السنوات الأخيرة.

واستطاعت الحملة، منذ انطلاقها، تحقيق مكاسب مهمة، على المستوى السياسي، أفضت بدفع الوزير لحسن الداودي إلى تقديم استقالته، وبتراجع عبد العزيز أخنوش عن الظهور في المشهد العمومي، فضلا عن تذبدب تصريحات الحكومة، التي لجأت إلى التخوين والسب والتوصيف من قبيل ’’المداويخ‘‘ و’’الجيعانين، أمام عدم قدرتها على تفعيل المقاربة الأمنية، في ظل غياب مخاطبين مباشرين عن الحملة، بالإضافة إلى عودة النقاش إلى إشكال زواج السلطة والمال.

وإن لم تصل هذه المكاسب، لحد الآن، إلى تحقيق أهدافها، المتمثلة أساسا في خفض الأسعار، فإنها خلقت حالة من الارتياح لدى الجمهور، ونوع من الإحساس بالفوز على السلطة، ولي ذراعها الأمني، كما أصبح هذا الشعور، بمثابة المحرك للفعل المقاوماتي، تماما كالدور الذي يمكن أن يلعبه القائد الذي يحظى بثقة وإعجاب الجمهور.

وهذه الخاصية، هي ما أغفله دعاة ’’تعليق المقاطعة‘‘ والتي تجعل من المقاطعين، رافضين تماما لأي خطوة من شأنها تسييج/عقلنة أفكارهم (العاطفية) حيث نتعامل هنا مع حالة تراجع الفرد الواعي وذوبانه في الجماعة اللاواعية في اتجاه هدف واحد، ويقول هنا غوستاف لوبون في كتابه ’’سيكولوجية الجماهير‘‘ : ’’أيا تكون  نوعية الافراد الذين يشكلون الجمهور، وأيا يكون نمط حياتهم متشابها أو مختلفا، وكذلك اهتماماتهم ومزاجهم او ذكاؤهم، فإن مجرد تحولهم جمهوراً يزودهم نوعاً من الروح الجماعية، هذه الروح تجعلهم يحسون ويتحركون بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كان سيحس بها ويفكر كل فرد منهم لو كان معزولا”.

وهذا ما يفسر انسياق العديد من المقاطعين نحو انتقاد دعاة ’’وقف المقاطعة‘‘، بشكل يضرب في مصداقيتهم ونضاليتهم، وهو انتقاد لا ندعمه على العموم، احتراما لحقهم في التعبير، وانتصارا لمقارعة الفكرة بالفكرة، لا أن نحرمهم من حقهم في التفكير وإبداء الرأي، ويكفي أنهم أعادوا الحيوية لمعركة المقاطعة ومناقشتها، وهذا جزء من تنشيط الرأي العام.

3 تعليقات

  1. اتقاسم الكثير مع هذا التحليل…وفي رأيي المتواضع حتى الدعوة إلى التعامل الإيجابي مع مبادرة شركة سنترال كان ينبغي أن تكون بدون توقيعات او اسماء مكشوفة…فكما الدعوة للمقاطعة لم يعرف احد كتبتها ومن قرر الشركات الثلاث الواجب مقاطعتها…ربما لو بقي المبادرون خلف الستار لتم نقاش المبادرة…اما وأصحابها خرجوا الى العلن فقد صاروا الموضوع الرئيسي.

  2. شيئ وحيد يعرفه اصحاب دعوى وقف المقاطعة ولم يحترموه ،انهم لا دخل لهم من قريب ولا من بعيد بالمقاطعة ، لدالك ليس من حقهم اخلاقيا ولا سياسيا التدخل وتسيير الجماهير ، مع العلم ان رصيدهم في هدا المعطى صفر ، وهدا ليس تفكير وتصرفا عقلانيا بل هو تهور وتورط ينم عن غباء وقصور واستهتار بالعقل الجمعي للجمهور وهدا ان دل على شيء انما يدل على فقر وغياب التجربة وعدم معرفة معناويات الشعب في هده المرحلة

  3. المرجو تصحيح الاخطاء اللغوية والاملائية الواردة في المقال..صحافة اخر زمن!

اترك رد