التعاقد في الميزان…

2

وفاء الدغوغ

انطلقت في السنة الماضية معركة أخرى انضمت إلى فصول المعارك النضالية والحركات الاحتجاجية الاجتماعية التي يخوضها المغاربة من أجل تحسين الأوضاع والمطالبة بالحقوق، هذه المعركة تخوضها فئة من خيرة شباب الوطن، معركة تداخل فيها الاجتماعي كمطلب والسياسي كتوجه، والاقتصادي كرهان، إنها معركة الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، فمن هم هؤلاء الأساتذة؟ ما هي مطالبهم؟ كيف يمكن حل قضيتهم؟ أهي قضية أستاذ ام قضية مدرسة ووطن؟

انطلق مشروع التوظيف الجديد في المغرب قرابة السنتين، جاء بداية كحل مستعجل لسد الخصاص المهول الذي كانت تعاني منه المنظومة بسبب غياب رؤية استراتيجية وتدبير بعيد المدى، فالمؤشرات كانت واضحة بأن الاكتظاظ هو مصير الحجرات الدراسية بعد توقف التوظيف، والعجز عن سد الحاجيات منذ سنوات، إذ لم تكن تعدو المناصب المخولة للقطاع 7000 سنويا، فانعكس هذا اللاوعي بالمسؤولية بوقوع الوزارة في أزمة حقيقية، دعتها إلى إيجاد حل ترقيعي سمي بالتعاقد، هذا التعاقد انطلق سنة 2016 ب 11 ألف منصب شغل وفق مقرر وزاري وقع يوم الانتخابات التشريعية في 7 أكتوبر 2016، لم تكن له أرضية قانونية يستند عليها، وعلى نفس المنوال وبسبب خروج ألاف الأساتذة سنويا إما عبر التقاعد الكامل أو النسبي، لجأت الدولة مرة أخرى لسد الخصاص بنفس الطريقة لتوظيف 24 ألف أستاذ.

في البداية ولاستعجالية العملية وبعد نجاح المرشحين والذين اجتازوا ثلاث مراحل كل منها أصعب من الأخرى، بداية بالانتقاء الأولي والذي حددت عتبته في ميزة مستحسن، ثم امتحان كتابي في يومين حدد اليوم الأول لتخصص والثاني للديداكتيك العام والخاص، ثم بعد النجاح اجتاز المترشحون مرحلة الشفهي والتي تضمنت إعداد درس ومناقشته أمام لجنة مكونة من ثلاث مفتشين، ثم خضعوا لتكوين حضوري في المراكز الجهوية للتكوين، لمدد متقطعة، رافقها تكوين ميداني مؤطر من طرف الأساتذة المصاحبين كآلية للتتبع والتوجيه، وللمفتشين كوسيلة للتقييم، إضافة إلى تكوين عن بعد عبر مسطحة أحدثتها الأكاديميات لهذا الغرض، كما اجتازوا امتحانات في مجزوءات التكوين، بينما تعدت مرحلة التكوين الستة اشهر بالنسبة للفوج الثالث، إضافة إلى ان %70 من هؤلاء الأساتذة يفوق مستواهم الدراسي الإجازة.، هذه هذا مسار هؤلاء الذين يعتقد اغلب المغاربة أنهم ولجوا مباشرة للتدريس أو انه ثم اختيارهم بشكل عشوائي، إلى حد الطعن في كفاءتهم العلمية ووصفهم بعبارة “غير متعاقدين”.

بعد ميلاد التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد كإطار نضالي مستقل، هدفه المطالبة بإسقاط مخطط التعاقد وإدماج الأساتذة في إطار الوظيفة العمومية أسوة بزملائهم المرسمين، فإحساسهم بالدونية من ناحية والظلم من ناحية أخرى جعلهم ينادون بمطلب مشروع يكفل الاستقرار النفسي والاجتماعي والمادي، لشباب كله حيوية ونشاط، يبتغي التطور والتقدم، وتحقيق الذات، إن كل من يعتبر هؤلاء الأساتذة أنهم وافقوا على محتوى العقد وقبلوه بحجة أنهم صادقوا عليه فهو واه، فكيف تختار بين اختيارين أفضلهما مر، إما البطالة أو التعاقد، فأي عاقل سيتجه للاختيار الثاني في غياب فرص شغل في بلد تزداد نسبة البطالة فيه سنويا، وبهذا يكون شرط الاختيار وحتى التفاوض لإبرام العقد غير متاح ما يجعله عقد إذعان، ثم ان توقيع العقد لا يعني بالضرورة الموافقة عليه إلا هروبا من واقع افضع، وبالتالي أصبح لزاما على الأساتذة النضال من داخل الاطار لتغيير الوضع، فبدا مسلسل الاحتجاجات وانطلق بمسيرة وطنية ناجحة يوم 6 ماي 2018 لتتوالى بعدها الاحتجاجات الوطنية والجهوية، والمعركة قائمة والمناضلون يزدادون.

كخطوة مضادة من الوزارة ولكبح نضالهم ارتأت أحيانا الى الخداع وتمرير المغالطات كما وقع حين خرج مدير الموارد البشرية إلى الإعلام مبشرا فوجي 2016 و2017 بأنهم سوف يرسمون ابتداء من شتنبر 2018، وأحيانا أخرى الى التشديد على بقاء التعاقد كخيار استراتيجي وما إلى ذلك من اطناب لن يصدقه حتى التلاميذ فما بالك بالأساتذة.

إن المتتبع لنضال الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد يدرك جيدا أنهم لن يتراجعوا عن مطلبهم الوحيد والأوحد، وان لن يوقفهم سوى الموت، وهي العبارة التي لطالما تردد صداها في احتجاجاتهم “الموت ولا المذلة”، فإلى هذا الحل يعتبر التوظيف بالعقدة مذلة؟ نعم ولا يحس بالواقع المر إلا من عاشه، فهؤلاء ليسوا انتهازيين ولا يبتغون اجرة خيالين وتعويضات مجزية او تقاعد بالملايين، انهم يريدون الكرامة والعزة، الإحساس بالانتماء إلى وطن حنون يضمهم ويجزي عطائهم ومثابرتهم واجتهادهم، وطنا يمنحهم الكبرياء.

بعد استنفاذ جميع الخطوات الانذارية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، من مسرات جهوية في العطل ووقفات احتجاجية، وصلت التنسيقية الوطنية الى تسطير برنامج اكثر تصعيدا يتمثل في ستة ايام اضراب ايام 4 و 5 و6 و7 و8 و9 مارس مرفوقا بوقفات احتجاجية واعتصامات، بسبب عدم دفع أجور فوج 2016، وقد ثم قمع هذه الاشكال النضالية في جميع ربوع المملكة بالعنف والقوة، مخلفة إصابات متفاوتة بين المحتجين، بصورة تعود بنا لسنوات الجمر والرصاص، كما قامت المديريات بمراسلة الأساتذة عن طريق مديري المؤسسات لإخبارهم بقرار مفاده إما رجوعهم للعمل أو طردهم، مع انهم يمارسون حقهم الدستوري في الإضراب عن العمل.

تصميم الأساتذة على الإدماج واضح وهدفهم مسطر منذ البداية وتنسيقيتهم مستقلة وقوية، الاتحاد رمزهم والنضال طريقهم والصبر أداتهم، والعزة والكرامة مبتغاهم، والتراجع مستبعد من قاموسهم، والتنازل محرم في مبادئهم، والإصرار قوتهم وسلاحهم، فإما سيدمجون أو أنهم سيدمجون،  مسألة وقت ليس إلا، الرابح الأكبر منها ليسوا هم بل المدرسة العمومية التي ستخرج من الإنعاش وسيطول عمرها، وستوفر لأبناء الطبقة الفقيرة تعليما مجانيا وجيدا.

تعليقان

  1. . .إحاطة جميلة بسيرورة تجربة التعاقد في المنظومة التربوية المغربية، فقط تبقى الإشارة أن مسألة الاسترتيحية بالنسبة للوزارة، ليست رهينة بمشروع وطني محدد بزمن وشروط مضبوطة، بل مرهون بما يمليه البنك الدولي الذي ينص على التعاقد كمدخل لربط المسؤولية بالمحاسبة، إلا أن تسيس الملف، وعدم تمكن الوزارة من حيثيات تجربة ليست وليدة مشروع مجتمعي محلي، وبالتالي فشل معالجتها تربويا وإداريا (التشريع/التدرج الوظيفي/منظومة الأجور/ حركية العمالة/ ثنائية الحق والواجب…) إضافة لاهتزاز الثقة بين المجتمع والمؤسسات، المنعكس على هيئة التدريس الجديدة وعلاقتها بالنقابات، والبدائل غير الرسمية، ووووو…كل هذا وأمور أخرى لايتسع المجال لذكرها، جعلت الملف يتشعب ويصبح في اعتقاد المتضررين قضية خاصة/عامة، بينما يبدو كطرطة بالنسبة للمتوثبين الراغبة في صناعة بديل سياسي وقوده الشباب المندفع المعتقد في قضيته، الغافل عن كواليس الساسة وسماسرة القيم.

اترك رد