حساب السياسة في المرحلة

0

الكاتب: سعيد ازريوح

ينتصر العقل دوما لما يمسك بالجوهر؛ حينها، تصبح الطوارئ والتفاصيل الصغيرة عناصر مساعدة على إدراك هذا الجوهر وليس العكس. في السياسة، المسك بالجوهر يعني تحديد طبيعة المصالح المتصارعة بشكل دقيق أولا، ثم فهم الوقائع وتركيبها في معادلة هذا الصراع ثانيا.

في شرطنا الوطني، الجوهر في السياسة هو أننا أمام نظام غير ديموقراطي عماده ملكية تنفيذية لها شرعية تاريخية ودينية تحالفت مع الرأسمال الداخلي والخارجي وسخرت جهاز الدولة لرعاية هذا التحالف. حتى الآن كل محاولات تغيير هذا الجوهر تم استيعابها وتطويعها أو قمعها.

في هذه المرحلة، نحن بصدد محاولة هذا النظام ، في ظل شروط عالمية مواتية، استعادة ما تنازل عليه سابقا للتحكم في إسقاطات ما تمت تسميته بالربيع العربي. ولن نختلف حول حقيقة أن من سيتضرر من هذه المحاولة هو معسكر الإسلام السياسي الذي حصد بعض المكاسب مقابل توقيعه على عهد استقرار النظام السياسي.

حزب العدالة والتنمية يواجه الآن مخططا متكامل الأركان حتى يحتل موقعا عاديا في معادلة السياسة بالمغرب. هذا الحزب الذي قايض مطالب حركة 20 فبراير باحتلاله لبعض المواقع والامتيازات مطالب في هذه اللحظة بالرجوع إلى حجم تحدده السلطة السياسة وليس استراتيجية التقية والتحالفات الخارجية التي اعتمدها للتغلغل في دواليب الدولة.

صحيح أن هذا الحزب لم يبدي اعتراضا على الخيارات الاستراتيجية للسلطة السياسية، ومن المؤكد أنه كان خير منفذ لسياساتها، ومن المعلوم أنه كان أداتها لتحجيم بعض معارضيها….ولكن الثابت تاريخيا هو أن الأنظمة السلطوية لم تسمح يوما باختلال موازين القوى لصالح فاعل سياسي آخر ولو كان حليفها. ولعل العودة لكتاب الآمير لصاحبه مكيافيلي ستكون مفيدة في هذا السياق.

تسريب الصور والشرائط الفضائحية لأعضاء وقيادات وخدام البيجيدي والمواكبة الإعلامية الصاخبة لمحاكمة حامي الدين في قضية الشهيد آيت الجيد بنعيسى ونزع تدبير ميزانية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من المؤسسات المنتخبة…كلها مؤشرات تفيد بأن الحزب الإسلامي مطلوب حيا وليس ميتا ولكن منهكا.

ما موقع الفاعلين السياسيين الآخرين من كل هذا ؟

بحساب السياسة سيكون من غير العقل انتصاب التقدميين والديموقراطيين ضد تعميق التناقضات الثانوية في جبهة المحافظة. وبمعنى آخر، فإن كل محاولة لدعم حزب العدالة والتنمية في مواجهة السلطة للحفاظ على مكاسبه لن تكون إلا مساهمة غبية في تقوية أحد عناصر التخلف الذي نريد تجاوزه.

حزب العدالة والتنمية وبغض النظر عن أهليته الانتخابية أو جرأة بعض أعضائه هو حزب لم ينتصر سوى لسياسات نيولبرالية متوحشة أنهكت قدرات كل الفئات الشعبية ولم يقم إلا بتسويق مرجعيات فكرية جاهلية…… وعلى هذا الأساس لم يكن ولن يكون من مسؤوليات جبهة الديموقراطية والتقدم فك عزلته ودعمه.

حزب العدالة والتنمية ينتمي لفكر وتاريخ لم يتبث حتى الآن انتماءه لقضايا التسامح والتعايش والإيمان بالتعدد وبالاختلاف. حتى الآن نحن أمام تاريخ يطفح بأحداث دموية صنعها أو ساهم فيها الإخوان ذهب ضحيتها اليساري والاشتراكي والبعثي والعلماني والمشكك….حتى الآن نحن أمام منهاج يعتبر حقيقته نهائية وغيرها في حكم الشرك والكفر…….

نعم، من حيث الأخلاق والمبدأ والنزاهة الفكرية يجب أن نؤطر صراعنا السياسي بغير الوسائل الدنيئة ويجب أن تكون مواجهة الخصم بالحقائق وليس بالأكاذيب ويجب أن تكون المواجهة فكرية، ثقافية وسياسية. ولكن أن يقال أننا بدعمنا لحزب العدالة والتنمية في وجه النظام نقدم خدمة للديموقراطية والتقدمية، فإنه لن يكون بوسعنا سوى الاستغراب والحسرة على ضياع البوصلة من بعض،الأشقاء.

اترك رد