رمضانيات:”طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”..الأمة التي لايشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لاتستحق الحرية (الحلقة6)

0

كثيرون اعتبروا عبدالرحمن الكواكبي كان ضحية قلمه الثائر، وكان كتابه الذي صدر له في القاهرة في طبعة أولى مطلع القرن العشرين “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” الذي شخص فيه علة الاستبداد السياسي وتأثيره على مختلف جوانب الحياة، سببا في موته عام 1902 متأثرا بسم شربه في فنجان قهوة قيل إنه شربها في مقهى توجد بالقاهرة اسمها يلدز، مكتوب على قبر عبدالرحمن الكواكبي بيتين نظمهما الشاعر المصري الكبير حافظ إبراهيم يقول فيهما: 

هنا رجل الدنيا مهبط التقى … هنا خير مظلوم هنا خير كاتب

قفوا اقرؤوا أم الكتاب وسلموا… عليه فهذا القبر قبر الكواكبي                                   

مقاومة الاستبداد تبدأبتوفير بديله حرية

في مبحث التفريق كما سبق الإشارة في الحلقة السابقة، أكدنا أن الكواكبي تحدث في معرض التفريق بين السلطات على ثلاثة سلطات، سلطة سياسية وسلطة دينية فسلطة علمية، وتسأل قائلا: “هل يجمع بين سلطتين أو ثلاث في شخص واحد، أم تخصص كل وظيفة من السياسة والدين والتعليم بمن يقوم بها بإتقان، ولا إتقان إلا بالاختصاص، وفي الاختصاص، كما جاء في الحكمة القرآنية (وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)، ولذلك لايجوز الجمع منعا لاستعمال السلطة”.

بهذا المبحث الذي وصل فيه عبدالرحمان الكواكبي ل21 مبحث، من أصل 25مبحث، يكون قد اقترب من وضع خلاصته، التي اعتبر فيها أن مجموع هذه المباحث، إذا أضفنا لها مبحث الترقي في العلوم والمعارف، ومبحث السعي في العمران، ومبحث التوسيع في الزراعة والصنائع والتجارة، التي أكد فيها أن “هذه خمسة وعشرون مبحثا، كل منها يحتاج إلى تدقيق وتفصيل طويل، وتطبيق على الأحوال والمقتضيات الخصوصية، وقد ذكرت هذه المباحث تذكرة للكتاب ذوي الألباب وتنشيطا للنجباء على الخوض فيها بترتيب، اتباعا لحكمة إتيان البيوت من أبوابها، وإني أقتصر على بعض الكلام فيما يتعلق بالمبحث الأخير منها فقط، أعني مبحث السعي في رفع الاستبداد”، وفيه يقول الكواكبي، إن الأمة التي لايشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لاتستحق الحرية، وأن الاستبداد لايقاوم بالشدة بل باللين والتدرج، وأنه قبل مواجهة الاستبداد مواجهة حاسمة يجب توفير كل شروط ومستلزمات بدائل الاستبداد.

واعتبر الكواكبي، أن هذه هي قواعد رفع الاستبداد، “وهي قواعد تبعد آمال الأسراء، وتسر المستبدين، لأن ظاهرها يؤمنهم على استبدادهم، ولهذا أذكر المستبدين بما أنذرهم به الفياري المشهور حيث قال: (لايفرحن المستبد بعظيم قوته ومزيد من احتياطه فكم من جبار عنيد جندله مظلوم صغير، وإني أقول كم من جبار قهار أخذه الله عزيز منتقم)”.

يفصل عبدالرحمن الكواكبي في فصل الاستبداد والتخلص منه، في معاني مبنى قاعدة وجود أمة لايشعر أكثرها بآلام الاستبداد والي حتما لاتستحق الحرية، فيقول: إن أمة “إذا ضربت عليها الذلة والمسكنة وتوالت على ذلك القرون والبطون تصير تلك الأمة سافلة الطباع حسبما سبق تفصيله في الأبحاث السالفة، حتى إنها تصير كالبهائم أو دون البهائم، لاتسأل عن الحرية، ولاتلتمس العدالة، ولاتعرف للاستقلال قيمة، أو للنظام مزية، ولاترى لها في الحياة وظيفة غير التابعية للغالب عليها، أحسن أو أساء على حد سواء، وقد تنقم على المستبد نادرا، ولكن طلبا للانتقام من شخصه لاطلبا للخلاص من الاستبداد، فلا تستفيذ شيئا، أنما تستبدل مرضا بمرض كمغص بصداع”.

اترك رد