طرائف المعتقلين السياسيين: الرحوي المختطف السابق..كنت كنطنز على السجانين والمسؤولين بكل جدية2/1

0

هم أصحاب مواقف معارضة، قادتهم إلى غياهب المعتقلات السرية، المعروفة منها والمجهولة العنوان..سياسيون أمضوا سنوات طوال خلف الأسوار والأبواب الموصدة في زمن الجمر والرصاص.. قاوموا العزلة وبرودة السجن، وحاولوا النجاة بإرادتهم من أجواء المعتقل بعدما خلقوا أجواء من الفرح من عمق الألموالتوتر والقلق والكآبة والخوف..منهم من قضى في السجن، ومنهم من غادر أسواره بأعطاب نفسية عميقة، أضحت لحظات الألم فيها الآن، أو عند كل استدراج للذاكرة عنوانا للتفكر من المرحلة وثقل المرحلة.

في هذه الفسحة، ثمة طرائف للمعتقلين السياسيين، جديرة بأن تُروى، تمكنوا من خلال عفويتها ومواقفها وصناعتها أحيانا، التحرر من قسوة المكان وسطوة السجان.. تعيد “دابا بريس” نشر مروياتهم، التي حكوها ذات ليال رمضانية، للزميلة “هدى سحلي”

ومن بين هؤلاء المعتقل السابق محمد الرحوي ،فيحكي مثل كثيرين هنا، كيف انتصر بمعية زملائه على ظلمة الزنزانة وتعذيب السجان بسلاح السخرية وصناعة الطرائف المنقوعة من كوميديا المواقف.

 

 

المختطف السياسي السابق/ محمد الرحوي

كنت كنطنز على السجانين والمسؤولين بكل جدية

حكايته السجنية مختلفة تماما عن باقي المعتقلين السياسيين، الذين سبق لنا الحديث معهم، هو لم يقف أمام قاض، ولم يمر عبر درب مولاي الشريف، لم تكن له وللمجموعة المعتقلة معه، أو بدقيق العبارة، المجموعة المختطفة معه، حياة جماعية، ولا مواعيد زيارات، ولم يكن معروفا حتى إن كان حيا أو ميتا، هو أحد الناجين من المعتقل السري “أكدز” سيء الذكر والسمعة، وأحد المعتقلات التي شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان خلال سنوات السبعينات والثمانينات، إنه محمد الرحوي، المختطف سنة 1976، الذي رُحّل من المركب البوليسي بأكدال-الرباط، إلى سجن أكدز في 05 غشت 1977، ثم إلى سجن قلعة مكونة، عودة إلى أكدز قبل الإفراج عنه وباقي الناجين بعد مضي تسع سنوات من الاعتقال السري.

معتقل قلعة مكونة السري الرهيب

وكما تفرّدت تجربة اعتقالهم، تفرّدت طريقة صمودهم على كل أنواع التعذيب والترهيب النفسي التي مورست عليهم، لكسر شوكة الكرامة والإنسانية التي يتمتعون بها، وكذلك تميزت طرق تحقيرهم للحقارة التي وضعهم فيها الجلاد، والسخرية المنقوعة في السواد، من كل ما يبعث بالاشمئزاز أوممن أثاره في نفوسهم، وهكذا كان ضيفنا ينتزع من لحظات انتظار الموت، لحظات من الزهو ونشوة الانتصار على السجان.

رغم كبر سنه، وهوان صحته، مازال الرحوي، يحتفظ في ذاكرته بمعاناة السجن، وبنشوة انتصاره، فكان كلما تذكر موقفا سخر فيه من السجان أو مسؤوليه باختلاف تراتبيتهم، علت وجهه ابتسامة عريضة، فتنفرج أساريره ويعدل من جلسته، ليستقيم ظهره، علامة زهو واعتداد بالنفس، ومن بين ما يذكره الرحوي، حوارا جمعه مع مسؤول على رأس القوات المساعدة المتنقلة وغير المتنقلة، حين تم ترحيلهم إلى سجن قلعة مكونة، يحكي الرحوي: دخل عندنا مسؤول ألقى التحية، “السلام عليكم”، رددت السلام عليه، وسأل “كيف دايرين؟” قلت له بكل جدية “مزياااان”.

معتقل قلعة مكونة

وبما أن المسؤول لم يكن ينتظر جوابا كهذا، يقول الرحوي، بقي مستمّرا في مكانه، ينظر إليه مستغربا قبل أن يسأل “كفاش؟”

فجاء جواب الرحوي بالتأكيد”قلت لك مزيان، اش بغيتي نقول لك”

المسؤول: علاش؟ ما كتجوعش؟

الرحوي:شي مرّات، وشي مرّات كتشيط الماكلة كاع

المسؤول: والغطا؟

الرحوي: وشي مرة كتكون الحرارة كيكون هذاك الغطا ماشي غير كافي

المسؤول غير مصدق بعد: والفراش؟

الرحوي: راهو، لي كان راه باقي

المسؤول: لا لا غادي نصاوبوه

الرحوي ولي بغيتو

انتهى الحوار غير المتوقع، أجوبة الرحوي الساخرة، التي كان يلقيها على مسؤول القوات المساعدة، كانت ك”الذم بما يشبه المدح” أو كما نقول بالدارجة “كان طناز كبير”، وتلك كانت طريقة الرحوي لمعالجة الشيء الحقير كأنه عظيم، أثناء حديثه للمسؤولين، وبذلك كان يستفزهم، وفي استفزازهم، يربح الرحوي لحظات للضحك مع الرفاق على السجانين، يتجاوزون بها الزمن الممتد داخل المعتقل.

ومن بين الطرائف الكثيرة التي يتذكرها الرحوي، تلك التي وقعت بمعتقل أكدز والوقت صيام، ففي أحد أيام رمضان، كان الرفاق مجتمعين ينتظرون اذان المغرب…سمعوا صوت المدفع إيذانا بموعد الإفطار، ففطرنا، يقول الرحوي، وبعد مدة قصيرة جاء الرفيق الصحراوي، والذي كان مكلفا بتوزيع الأكل، وقال لنا “اش كديرو؟”، قلنا له “كنفطروا سمعنا المدفع،” فقال ليا “لا هذاك را غير شي باب ترضخ”، وحنا بقينا كنشوفو في بعضياتنا وكنضحكو” يقول الرحوي مضيفا “صافي لي عطا الله عطاه”.

نفس الأمر تكرر يقول الرحوي ضاحكا، لكن هذه المرة سمع الرفاق صوت المؤذن، ليتضح فيما بعد أنه لم يكن إلا صوت نباح كلب.

محمد الرحوي الأخير على اليسار

اترك رد