طرائف المعتقلين السياسيين.. السعودي..حكاية الرفيق الذي عالج آلام الأسنان باستعمال خيط ومسمار دقه في الحائط 2/1

0

هم أصحاب مواقف معارضة، قادتهم إلى غياهب المعتقلات السرية، المعروفة منها والمجهولة العنوان.. سياسيون أمضوا سنوات طوال خلف الأسوار والأبواب الموصدة في زمن الجمر والرصاص..  قاوموا العزلة وبرودة السجن، وحاولوا النجاة بإرادتهم من أجواء المعتقل بعدما خلقوا أجواء من الفرح من عمق الألموالتوتر والقلق والكآبة والخوف.. منهم من قضى في السجن، ومنهم من غادر أسواره بأعطاب نفسية عميقة، أضحت لحظات الألم فيها الآن، أو عند كل استدراج للذاكرة عنوانا للتفكر من المرحلة وثقل المرحلة.

في هذه الفسحة، ثمة طرائف للمعتقلين السياسيين، جديرة بأن تُروى، تمكنوا من خلال عفويتها ومواقفها وصناعتها أحيانا، التحرر من قسوة المكان وسطوة السجان.. تعيد “دابا بريس” نشر مروياتهم، التي حكوها ذات ليال رمضانية، للزميلة “هدى سحلي”

ومن بين هؤلاء المعتقل السابق نور الدين السعودي، فيحكي مثل كثيرين هنا، كيف انتصر بمعية زملائه على ظلمة الزنزانة وتعذيب السجان بسلاح السخرية وصناعة الطرائف المنقوعة من كوميديا المواقف.

المعتقل السياسي السابق نور الدين السعودي

نورالدين السعودي

حكاية الرفيق الذي عالج آلام الأسنان باستعمال خيط ومسمار دقه في الحائط 1/2

قوة الإنسان في قدرته على تحويل كل مساوئ الحياة إلى حافز للاستمرار، وتلك كانت ميزة المعتقلين السياسيين الذين حولوا السجن إلى قطعة زمنية، تفتقت فيها روحهم المبدعة، في كل المجالات المعرفية والثقافية، من الفكر إلى السياسة، ومن السينما إلى الرسم التشكيلي ونظم الأبيات الشعرية، كل حسب ميولاته وهواه، وكان بينهم من تعددت مواهبه وتفردت، كضيفنا نور الدين السعودي، الذي أكد في حديثه إلينا، أنه للسجن ما لا يحصى ولا يعد من الإيجابيات التي استغلها أو خلقها المعتقل السياسي لمقاومة كل عنصر يمكن أن يثبط من عزيمته، فيرضي بذلك رغبة السجان، فكان السعودي صاحب طرفة، وكان مختصا في “الطرز” وفي الطبخ حتى لقب بـ”كوفيتير” و”…دانون”.

خلال العشر أشهر الأولى من الاعتقال التي أمضاها السعودي بدرب مولاي الشريف، يتذكّر السعودي حكاية الحرس الملقب بـ”الكونتريكس”، وكان من أقبح الحراس في الدرب وأشرسهم، لدرجة حين يكون دور الحراسة في هذا الحارس، لا أحد من المعتقلين يحاول إصدار أي حركة “حتى واحد ما كتفنفن”وحدث ذات يوم أن أصيب أحد الرفاق بألم في ضرسه، فنادى الحارس “أ الحاج  أ الحاج ضاراني الضرسة” فأجابه الحارس غاضبا “يا ولد الفاعلة التاركة…أنا لي ضاراني الضرسة كثر منك”، وكان في تلك الفترة معتقل آخر وضع في “الكولوار” لأنه كان أعرجا ويستند على عكازات، سمع حديث الرفيق والسجان عن آلام الضرس، فعرض خدماته لعلاج الألم بوسائل غريبة، فنادى الحارس:”الحاج اذا ضاراك الضرسة أنا يمكن نلقى لك الحل ليها” لكن الحارس استخف بالمعتقل وقال له  بنوع من التكبر”انت تلقى لي الحل”، فأجابه بالإيجاب شريطة إحضار بعض الأدوات الضرورية وكانت عبارة عن خيط ومسمار،فقال له الحارس “صافي؟” أجابه “صافي” قبل أن يتوعده الحارس “شوف يا الفاعل يا التارك والله ما كان داكشيعندو المفعول لي كتقول يا حتى اليوم ما نتفرق معاك حتى تموت”.

السعودي في جلسة أسرية

السعودي الذي كان في الزنزانة المقابلة لـ”الكولوار” كان يتفرج على المشهد كاملا مستغلا انشغال الحارس بالحوار والضرس، لكنه كان في الوقت نفسه يفكر في مآل الرفيق إذا لم يفلح في معالجة ضرس “الكونتريكس” قائلا في سره “ناري مسكين، هذا مالو هاد الزغبي جبد على راسو الصداع”، وبعد فترة أحضر الحارس اللوازم التي أوصي بها، ولأن الشك ظل يراوده في قدرات الرفيق، أراد ان يجرب في الرفاق أولا قبل ان يسلمه نفسه، و”بدا كبرح ا شكون ضاراه الضرسة”، وفعلا قام أربع أو خمسة رفاق، وبدأ الرفيق الأعرج بطريقة عجيبة يضع المسمار على الضرس المريض، ثم يربطه بخيط، وبعدها يدق المسمار في لوحة خشبية على العائط، ليختفي الألم بعدها، وكأنه كان يقوم بعملية تحويل للألم من الضرس إلى الحائط.

صورة جماعية لبعض المعتقلين السياسيين بالسجن المركزي بالقنيطرة ضمنهم نورالدين السعودي

ومن بين الطرائف التي يتذكرها السعودي وهو يضحك بكل أناقة، يقول في أحد الأيام كنت أدردش مع رفيق في الصيف وأخبرني حينها أن موعد عيد ميلاده قد اقترب، وكان هذا الرفيق يحب أكلة “البيصارة” بشكل كبير، حتى أنه كان يعتبر اليوم الذي يقدمونها فيه وكان مرة كل شهر “نهار كبير”، ومن حسن الصدف في عيد ميلاده قدموا البيصارة التي يحب، وفي تلك الفترة كان السعودي يفكر في هدية يقدمها لهذا الرفيق، ففكّر بإهدائه طبق البيصارة خاصته، وما استغربت له يحكي السعودي ضاحكا ” كلاها كلها ما خلا لي حتى حاجة، وأنا قلت زعما غادي يدير الصواب الساعة ساط فيه كلو”.

 

اترك رد