طرائف المعتقلين السياسيين… فاطنة البويه وحكايتي مع المشط الضائع 2/1

0

هم أصحاب مواقف معارضة، قادتهم إلى غياهب المعتقلات السرية، المعروفة منها والمجهولة العنوان.. سياسيون أمضوا سنوات طوال خلف الأسوار والأبواب الموصدة في زمن الجمر والرصاص..  قاوموا العزلة وبرودة السجن، وحاولوا النجاة بإرادتهم من أجواء المعتقل بعدما خلقوا أجواء من الفرح من عمق الألموالتوتر والقلق والكآبة والخوف.. منهم من قضى في السجن، ومنهم من غادر أسواره بأعطاب نفسية عميقة، أضحت لحظات الألم فيها الآن، أو عند كل استدراج للذاكرة عنوانا للتفكر من المرحلة وثقل المرحلة.

في هذه الفسحة، ثمة طرائف للمعتقلين السياسيين، جديرة بأن تُروى، تمكنوا من خلال عفويتها ومواقفها وصناعتها أحيانا، التحرر من قسوة المكان وسطوة السجان.. تعيد “دابا بريس” نشر مروياتهم، التي حكوها ذات ليال رمضانية، للزميلة “هدى سحلي”

ومن بين هؤلاء المعتقلة السابقة فاطنة البويه، فتحكي مثل كثيرات هنا، كيف انتصرت بمعية زملائها وزميلاتها على ظلمة الزنزانة وتعذيب السجان بسلاح السخرية وصناعة الطرائف المنقوعة من كوميديا المواقف.

المعتقلة السياسية السابقة فاطنة البويه

المعتقلة السياسية السابقة: فاطنة البويه

حكايتي مع المشط الضائع

عبثا اعتقد السجان، أن بإمكانه تقويض الذات وتعنيف الجسد، وأن يغتصب الحرية في المعتقلة السياسية فاطنة البويه، حين اختطفها ذات عام 1974، وهي شابة في التاسعة عشرة من العمر، حين لم تكن تدري أن مجرد حلم بوطن أفضل، سيرميها في عتمة السجون وسياط الجلادين.

تعود صور كثيرة إلى مخيَّلة المعتقلة السياسية السابقة، وعيناها هائمة في الفضاء، يشع منهما بريق كأنه نبراس يسافر عبر الزمن ليضيء ثنايا الذاكرة المعتمة، من درب مولاي الشريف إلى المحاكمة ثم إلى سجن العواد بمكناس، ومن عذاب اللحظة وعنف الجلاد إلى لحظات الصمود والحرص كل الحرص على الحفاظ على هوية امرأة حاول الجلاد محوها بتسميتها باسم ذكوري هو رشيد، فما كانت إلا أن تتشبث بأنوثتها وتهتم بها داخل السجن كما دأبت وهي خارجه، وتماما كما تشبثت بمواقفها السياسية، وحولت السجن إلى فضاء آخر للنضال، وكلها أمل في غد مشرق.

تروي فاطنة تجربتها السجنية، وهي تؤكد على الاختلاف الشاسع بين حياة المعتقلات النساء، وتلك الحياة التي كانت للمعتقلين الرجال، حيث كان عدد المعتقلات آنذاك لا يتجاوز الستة، بخلاف المعتقلين الذين تجاوزت أعدادهم المئة، ناهيك عن محدودية المساحة التي كانت للنساء مقارنة بالمعتقلين بالسجن المركزي بالقنيطرة، وهو الاختلاف الذي ربما أفقر التجربة السجنية للنساء، تقول فاطنة إن “القلة تعطي وضعا آخر، بخلاف الكثرة التي تغني، فهذا يُضحك والآخر يغني وذاك يناقش، ما يعني كان المجال أرحب لاستقبال تفاعلات إنسانية أغنى من التي عاشتها المعتقلات داخل السجن، وهذا لا يعني أنه لم تكن لدينا حياة إنسانية طبيعية، اكتشفنا فيها ذواتنا،  شاركنا فيها ثقافات مختلفة، مستغلين الأصول المختلفة للمعتقلات الوافدات من شمال المغرب ومن الصحراء ومن مراكش وآسفي والدار البيضاء…”.

درب مولاي الشريف

وفي بحر التعذيب الذي طال المعتقلات في درب مولاي الشريف، وصرامة الجلادين به، كانت الطبيعة الإنسانية تتحدى المنع والقهر وتكسر النظام، وكذلك كانت فاطنة ورفيقاتها، تقول “تعامل الحجاج بالدرب، كان مختلفا من واحد لآخر، وكان “حاج” يسهل التواصل بيننا في فترة حراسته، وكنا نستغل وجوده للتواصل بيننا وتمرير أكبر قدر من المعلومات عن هوياتنا، من نحن وأين نسكن، وكنا نحكي حتى اتفه التفاصيل، مثل مول الفران أو مول الحانوت..كانت لحظات للتواصل خطيرة، مستحيل نتصور أنها تكون دابا”.

وأنا كنت راسي قاسح تقول فاطنة، بحيث لم أكن أترك العصابة على عيني لتمنعني من الرؤية، وكنت دائما أسترق النظر من تحت العصابة، بل كنا نحدث ثقبا بها كلما أتيحت الفرصة”، وفي أحد الأيام تتذكر فاطنة، رأت السجانين يضعون مشطا فوق الباب، كانوا يعطونه للمعتقلين لمشط رأسهم بعد حلقه، لكن حدث أن تاه السجانون على مكان المشط، وظلوا يبحثون عنه، وأنا أعرف مكانه، التزمت الصمت لمدة، ثم أخبرتهم عن مكانهم” وتضحك متابعة “باش أنا نهز عيني حتى لفوق الباب، وأنا دايرة البانضة، والأصل خاص البانضة ما تهزهاش باش تشوف لي حداك فبأحرى تهزها وتشوفهم اش كديرو هما”، وما كان لهم إلا أن أوسعوني ضربا، تقول فاطنة وهي تضحك مستذكرة شغب اللحظة “كليت سلخة ديال العصا ،علاش تشوفي المشطة فينكاينة، هما حلو المشكل ديالهم وأنا تسلخت”.

اترك رد