طرائف المعتقلين السياسيين…محمد شرادو وحكايتي مع القملة “الشهية” 2/1

0

هم أصحاب مواقف معارضة، قادتهم إلى غياهب المعتقلات السرية، المعروفة منها والمجهولة العنوان.. سياسيون أمضوا سنوات طوال خلف الأسوار والأبواب الموصدة في زمن الجمر والرصاص..  قاوموا العزلة وبرودة السجن، وحاولوا النجاة بإرادتهم من أجواء المعتقل بعدما خلقوا أجواء من الفرح من عمق الألم والتوتر والقلق والكآبة والخوف.. منهم من قضى في السجن، ومنهم من غادر أسواره بأعطاب نفسية عميقة، أضحت لحظات الألم فيها الآن، أو عند كل استدراج للذاكرة عنوانا للتفكر من المرحلة وثقل المرحلة.

في هذه الفسحة، ثمة طرائف للمعتقلين السياسيين، جديرة بأن تُروى، تمكنوا من خلال عفويتها ومواقفها وصناعتها أحيانا، التحرر من قسوة المكان وسطوة السجان.. تعيد “دابا بريس” نشر مروياتهم، التي حكوها ذات ليال رمضانية، للزميلة “هدى سحلي”

ومن بين هؤلاء المعتقل السياسي  السابق محمد شرادو ، فيحكي مثل كثيرين هنا، كيف انتصر بمعية زملائه على ظلمة الزنزانة وتعذيب السجان بسلاح السخرية وصناعة الطرائف المنقوعة من كوميديا المواقف.

محمد شرادو واقفا

محمد شرادو/ معتقل سياسي سابق (2/1)

حكايتي مع القملة “الشهبة”

“كنت مخلوووووع”، قالها بنوع من الجدية المتهكمة على اللحظة التي اقتيد فيها إلى مخفر الشرطة بمدينة وجدة.. هذا المخفر الذي لا يضع أمام زائريه المعتقلين، سوى خيارين اثنين، إما أن يخرجوا منه معطوبين أو ميتين، ولا أمل في النجاة من سطوة جلاديه.

“كنت مخلوع يسلخوني”.. يعيدها محمد شرادو المعتقل السياسي السابق، كنوع من التأكيد، والابتسامة لا تفارق محياه، “لم أكن أعرف ما ينتظرني، هل سأخرج من هنا ميتا أو معطوبا، والحالتان سيان، فإذا بي أسمعهم يقولون: بغينا نرحلوه لكازا. وهنا تنفست الصعداء، وشعرت بنوع من الارتياح، على الأقل أتيح لي خيار ثالث للنجاة من مخفر وجدة”. يقول الشرادي.

مرت أزيد من ثلاثين سنة على مغادرته السجن، وعلى الرغم من ذلك، ما يزال هذا المعتقل السياسي الجالس أمامي، يتذكر التفاصيل، ويحكي باسترسال بعض “الإضاءات” التي نورت حياته داخل السجن، كأنما تدفقت الذاكرة دفعة واحدة، الحدث تلو الآخر، منذ لحظة اعتقاله يوم 18 أكتوبر1985، من المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بوجدة، بعد استدعائه لمكتب المدير.. هناك، يقول شرادو، كان ينتظره عميد الشرطة، الذي أخبره بعد إلقاء التحية أنهم يبحثون عن شخص اسمه لحسين شرادو، قام بسرق دراجة نارية، وأنهم يبحثون عن جميع الأشخاص الذين يحملون نفس الاسم العائلي،  فجاء جواب محمد شرادو متهكما “جميل هذا الأمر، أنا فرح، حين يصبح الكوميسير يبحث على شخص خون موطور، لقد تطور المغرب “، فقال لي الكومسير” تمشي معانا للدار”، فأجبت “مرحبا”.

محمد شرادو

من مكتب المدير إلى منزل شرادو المقبل على التفتيش، كانت هناك مساحة من الترقب عند الكوميسير.. لكن، بعد عملية تفتيش دقيقة، كان البيت خاليا إلا من بعض الكتب الأكاديمية، التي بعثرها رجال الشرطة، وسرقوها وفق تعبير شرادو “بداو كيقلبوا، وسرقو لي جميع الكتب لي عندي، وأنا كنغوّت وكنقول ليهم: شتي هاد الكتب لي كتاخدوهم، باغين تديوهم غي لولادكم، انتما شفارة”.

درب مولاي الشريف

بعدها انتقل شرادو إلى درب مولاي شريف، مصفد اليد والرجل في مقطورة احتجز فيها وحيدا، إلى أن وصل القطار إلى محطة البيضاء الميناء بعد حوالي 12 ساعة، وقبل نزوله من المقطورة، ألبسوه جلبابا ثم اقتادوه الى زنازين درب مولاي شريف حيث تنتظره “قتلة ديال العصا”.. بعد حصة استنطاق، أمطروه بلائحة من التهم، قال شرادو إنها صحيحة بنسبة 70 إلى 80 في المائة، لأنهم حصلوا على المعلومات من المعتقلين السابقين، وفي تلك اللحظة لم يكن يفكر شرادو إلا في الصمود وعدم البوح والإفصاح عن أي معلومات تخص الرفاق خارج المعتقل، ولم يكن أمامه خيار غير إلصاق كل التهم في الرفاق الذين سبق اعتقالهم.

سجن اغبيلة

 من بين الطرائف التي يتذكرها شرادو، تلك التي جرت أحداثها في الجناح 5 بسجن غبيلة ” كنت أنا وسلامات السعدي ويوسفي عبد الباقي وصالح ملوك، وكان معانا واحد الخوانجي، قضينا ثلاث أو أربع أيام، بدا كياكلنا لحمنا، التفتُ إلى الرفيق سلامات وقلت له، كياكلني لحمي، فقال بدوره: حتى أنا، ياكما القمل؟ ثم انتبه لنا صالح متسائلا: شنو كاين؟! فأجبنا معا هجوم كاسح من فيالق القمل.

وفي الصباح، يتابع شرادو وكأنه يعيش اللحظة ” فطرنا، وتناولنا الجريدة، وأخذنا “نفليو القمل فوق جورنال”، وكان معنا عبد الباقي، الذي لم يفهم سر هذه العملية آنذاك، فسألنا “اش كديرو؟ فقلنا له كنقراو الجورنال. كفاش كتقراو جورنال؟ شوية بانت ليه واحد القملة…استغرب عبد الباقي وبدأ يصرخ. وهنا يتساءل شرادو “عمرك شفتي شي واحد كيغوت، أول مرة يشوف قملة، أول مرة في حياته يشوف قملة ما كيعرفهاش”، ويضحك شرادو متابعا “بدينا شادين فيه كنقولو ليه حنا القملة ديالنا كحلة وأنت القملة ديالك شهبة حيث انت شهب”. كانت عملية فرز ناجحة للقمل، بما وافق إلصاق تهمة تحريض الرفيق لقملته الشهبة من أجل امتصاص دمنا.. يقول شرادو ضاحكا.

اترك رد