عَار يا وزير حُقوق الانسَان …. لمَ لا تَستقِيل ؟

0

النقيب عبد الرحيم الجامعي – و – ذ/ عبد السلام العيماني

أن يتحدث وزير أو أي مواطن عن العدالة والقضاء إما دعما أو اقتراحا أو تنبيها أو انتقادا فذاك أمر ضروري أكثر من مستحب، في مجتمع مثل المجتمع المغربي، يتطلع لعدالة تضمن له الحماية والكرامة والحرية والمواطنة، و مجتمع يؤمن بأن العدالة شأنه الأساس وليست شأن السلطة او الحكومة أو القضاة .

وأن يحتج مواطن ضد ظلم الاتهام و أن ينفُضَ عنه المتابعة قبل وبعد المحاكمة، فتلك خاصية كل برئ يَحلُم بقرينة البراءة ويدعو لتقديسها وينشد الإنصاف ويُسرع ولإدراكه.
وأن يحال مواطن على القضاء ليُحاكم، فليس ذلك لا سُبة ولا شبهة ولا خَطيئة أو إهانة.

وأن يَحزنَ إنسان على نَائبات الزمان وفَواجع أهله وتَجَبر حُكامه، فهو شعور مُعتَاد بل احيانا عَين العقل والحقيقة والصواب لأن الانتصار للحق لا يسقط ولا يتقادم.

و أن ينتبه القضاء لأخطائه ليُسوي الاعوجاج ويحرصَ على حسْن تطبيق المساطر ويرفع من جودة صناعة الأحكام والقرارات فذلك من صميم وظائفه، بها يـزداد استقرار البلاد وترفع الثقة و يعُم الرضا والاطمئنان في نفوس كل العباد.

لكـــــــــن،

إن كان غضب واحتجاج المواطن من أحكام وقرارات قضائية حتى ولو حاد عن الصواب أمر يبقى احتجاج مُنبه مقبول ومحمود لابد للقضاء وللقضاة أن يسمعوه ويتفاعلون معه، فغضب رجل السلطة أو وزير من الحكومة كوزير حقوق الإنسان من القرارات والأحكام ومن القضاء والقضاة، هو تصرف ممنوع عليه سياسيا ومرفوض قانونيا وحقوقيا و يثير أسئلة دقيقة من حيث الملائمة و الصلاحية و المشروعية.

فلما ثار وزير حقوق الانسان في الحكومة، و لِمَ أطلق احتجاجاته صوْبَ قرار قضائي لدرجة أكل لحم من اصدره وهو فوق مقعد وزير وكرسي المسؤول بالسلطة التنفيذية وهو فِي المرتبة الرابعة في مراتب البروتوكول في الدولة ، وهو وزير للعدل قبل شهور ، ومحامي ورئيس جمعية حقوقية قبل سنوات، و السؤال الذي يطرح أمام الدهشة والحيرة من كلام وزير حقوق الانسان، هو هل الوزير يؤمن ويفهم مبدأ فصل السلط، وهل يُكـِن الإحترام للقضاء، وهل يعرف ما هو واجب تحفظ وزير ممارس او مُقَال او مُستَقيل، وهل يؤمن بأن حريته في التعبير عليها قيود أَشَد من غَيره، وهل محفظته الوزارية تسمح له بالكيل بمكيالين اتجاه ما يمكن أن يلاحظه من مساس بحقوق الانسان وبقواعد الدستور فيغضب مرة عند تجاوزها ويرحب أخرى بها ويبررها ويتستر عنها ويهمل التعليق عليها.؟

ولماذا غَضِب وزير حقوق الإنسان ووصف القاضي وقراره بأوصاف يعرف أنها تشكل تَدَخُّلا ممنوعا في شأنه و تأثيرا في مسار العدالة ممنوع عليه، ولماذا تحول لسان الوزير لحبل مشنقة وضعه على قرار احد القضاة ليخنق أنفاسه حتى وإن تبت أن أسباب احتجاجه في مَحلها وأن القرار القضائي غير منصف أو منعدم الأساس، ولماذا لم يترك الوزير لأهل المسطرة وأهل الدفاع والمرافعة صلاحياتهم وسلطتهم المهنية، وتحول من وزير لقاضي مراقب و لمحامي مدافع ولمرشد و معلم و إمَام مفتي ؟

لقد ضرَبَ وزير حقوق الإنسان كجزء من السلطة التنفيذية على الوثر الممنوع عليه وجرد نفسه من خاصية الحياد كوزير، وربما أراد الوزير بكلامه أن يصحح خطاباته السابقة عن استقلال القضاء ليقول بأن القضاء غير مستقل ويثير أمامنا أسئلة الماضي والحاضر حول مواقفه وخطاباته حول القضاء كوزير للعدل سابقا…..

يَعرف القانونيون خاصة، أن هناك الحذر والتعقل DISCRÉTION وهناك التحفظ RÉSERVE وهناك الصمت SILENCE و إن كان من حق وزير حقوق الإنسان كأي إنسان يتمتع بحرية التعبير ولا يمكن حرمانه منها ولا يمكن أن يفرض الصمت عليه حتى يتمكن من الإسهام في النقاش العام لقضايا التي تشغل بال المواطن، فإن واجب التقدير والحيطة والحذر والتحفظ سواء بمناسبة القيام بالمهمة الوزارية أو خارجها، والتي قررتها قرارات القضاء الاداري والقضائي ( مثلا: (CE Ass., 13 mars 1953, ” Tessier “, Rec. p. 133). (Conseil d’Etat, no 97189, 28 juillet 1993) ) منذ قرون ضبطا لمساحة حرية التعبير ورسما لحدودهاً بالنسبة للشخصيات العمومية، كلها من شأنها ان تقلل من حريته المعترف بها له و للجميع بالمساواة و ذلك لفائدة ومصلحة أكبر وهي مصلحة العدالة و حرمة القضاء بِقِيَمها وبمبادئها الكونية ومصلحة الأطراف وحقوقهم كذلك.

قد كان من المناسب أن يستحضر السيد وزير حقوق الإنسان وقبل انتقاداته التي أثارت موجات غضب، الضجة غير المسبوقة والانتقادات التي تعرض لها الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي SARKOSY سنة 2011 وصلت درجة إعلان القضاة للإضراب ردا على ما نَعت به الرئيس الفرنسي قرارا قضائيا حين وصفه ب: DYSFOCTIONNEMENTS GRAVES في قضية مقتل الضحية LAETITIA PERRAIS ، و أن يستحضر كذلك ما تبع تصريحات وزيرة العدل حارسة الاختام الحالية السيدة نيكول بيلوبيت NICOLE BELLOUBET لما علقت على تصريحات المشتبه فيه في تفجيرات 2015 المسمى جواد بنداوود عقب المحاكمة، وأن يستحضر احتجاجه نفسه على تدخل وزير الداخلية السابق السيد بنموسي في قضية المرواني والمعتصم أمام التلفزيون .

وهكذا يبدو أن تدخل السياسيين والوزراء في القضايا المعروضة على القضاء مسألة مرفوضة اليوم، لأنها شكلت في نظر الحقوقيين وعند هيئة الانصاف والمصالحة وهي تعالج أحداث ماضي الانتهاكات الجسيمة أحد الاسباب الخطيرة التي اساءت للقضاء ولسمعته ولهيبته وأحكامه، وهي ضمن الأخطار التي توقفت عندها الهيئة العليا لإصلاح العدالة والقضاء التي ترأس اشغالها وزير العدل وزير حقوق الانسان حاليا بعد أن جاء دستور 2011 وحرم التدخل في القضاء والتأثير عليه.

ولذلك، نعتقد أنه من واجبكم كوزير الاعتذار عن الكلام الممنوع أخلاقيا ودستوريا، و هذه هي الشجاعة بعينها إن فضلتم البقاء في منصبكم الحكومي.

فلا نريد أن يقال لنا يوما ما بأننا كمواطنين قبل أي شيء أضربتم عن الكلام يوم انفعل الوزير وتخطى خطوط الكلام المباح، ووقفتم دون تنبيهه لخطئه أو بأننا لم تقترح عليه ترك وزارة حقوق الانسان و وضع الحقيبة الحكومية والاستقالة طوعيا قبل الإقالة إن هو أراد من جديد ارتداء جبة الدفاع….

فلا يمكن أن يكون هناك مغرب الحق والقانون تسمح السلطة التنفيذية لنفسها بالتدخل في القضاء وفي القضايا المعروضة عليه ، ولا يمكن أن يسمح القانونيون والحقوقيون بذلك.

الرباط: 17-12-2018

اترك رد