قراءة في كتاب الراحل عبد السلام ياسين منظر جماعة العدل والإحسان 3/2

0

الحلقة 2

لقد أبت الرجعية منذ زمن طويل ،خصوصا بعد دخول الفكر الاشتراكي للمنطقة العربية والمغاربية نتيجة اكتساحها العلاقات الرأسمالية الكلونيالية ،على وصم الماركسية بالإلحاد وهي حجة باطلة وادعاء زائف لأن الماركسية بكل بساطة ليست إيديولوجية إلحادية مهمتها المركزية هي مقاومة الدين ومحاربة اعتقادات الناس الدينية ،بقدر ما أن مهمتها الأساسية تكمن في القضاء على استغلال الإنسان للإنسان وتفجير طاقاته الخلاقة من أجل الحرية والإبداع.

لكن الغريب في خطاب عبد السلام ياسين هو اعتقاده الراسخ بأن منهاج الإسلام لا يمكنه أن يتآلف مع أي منهاج آخر ،ولا يمكن انتقاؤه بإيديولوجية أخرى “وضعية” مناضلة كالماركسية . إنه يحاول قطع الطريق وبوعي شقي ،عن إمكانية بلورة تصور على شاكلة “لاهوت التحرير”بأمريكا اللاتينية ،وحتى التفاعل الإيجابي مع اجتهادات المفكر الإسلامي التنويري :طه محمود الذي اغتاله نظام النميري في السودان خلال أواسط الثمانينيات ،بسبب معارضته لقوانين سبتمبر 1983 ،التي تكرس الخضوع لإملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي .لذلك يعلن تخوفه الشديد من قيادة الجماهير من طرف قيادة تأخذ عن الإسلام شعار الإيمان وعن الماركسية شعار الثورية والعدل،لأنه يرفض يشكل تام تلاقي العدل الماركسي مع الدين باستعارته قولة لجان جوريس الاشتراكي الفرنسي الذي يقول :”حتى لو أطفئنا كل نجوم السماء سأمشي معهم على الطريق التي تؤدي إلى العدل تلك الشرارة الإلهية التي ستكفي لإشعال كل الشموس في كل أعالي الفضاء”فقد فسر” إطفاء نجوم السماء بالطلاق العلماني الذي تمخض عنه تاريخ أوروبا وعبارة إشعال الشموس بتعويض الدين السماوي المفقود بالدين الأرضي العدلي ليخلص بالقول “بالشعر أو بغير الشعر لا يلتقي العدل الماركسي مع الدين” وهو هنا يتناسى تماما التجربة الفذة في أمريكا الثلاثينية من خلال تجربة “لاهوت التحرير” التي أبانت عن المجهودات الخلاقة في ربط النواة التحررية للدين المسيحي بالعدل الماركسي .هذه التجربة تعطي البرهان القاطع على تصور أن الدين يصبح في خدمة الرجعيين عندما لا يمتلك المؤمنون النظرية العلمية لخوض الصراع الطبقي .

من السمات البارزة في هذا الخطاب وفي كل خطاب رجعي أنه يتعارض كليا مع أفكار الحرية والتقدم والعدل ،ويقوم منطق محاجته على التعجيز والترهيب والحنث ،فعرضه هكذا للحوار والنقد والمساءلة على أسس علمية وأخلاق ديمقراطية يجرده من “حقائقه الوهمية” ،باعتباره فكر خاو ومعتم .كما أنه لا يصمد أمام محكمة العقل ،لأن أرضيته “الفكرية” ليست من ذلك البناء العقلاني المتماسك ،حتى إن اختلفت معه نال التقدير والاحترام الكبير .ذلك أن الاتكاء على الماضي كجدار أمان والنفخ في روح التقليد وبعث قوانين الفقه الغابرة في زمن الجلد والقمع الشامل ،هو ما يتقدم في المواجهة ،بصفته الجوهري والثابت ،وإن اصطدم بصخرة الواقع يعترف بوجاهة التحليل العقلاني حيث يقول :”إن لزوق الماركسية بالأرض ،وتحديد مطافها في أفق المادة ،وتشعبها بالمفاهيم الاقتصادية من “إنتاج” و”علاقات إنتاج”و”قيمة”الخ تنبيه بليغ ودرس فصيح لعقليتنا العتيقة التي ما عرفت كيف تحافظ على هم الأرض إلى جانب هم السماء في خطابنا وتصرفنا..”(ص28).

يكاد هذا القول يفصح عن تناقضات لاتحصى ،فهو يحاول جاهدا ،أن يجعل من الدين الفضاء المطلق للإجابة على كل مشاكل البشرية وبشكل خاص تأسيسه لخطاب ديني ،يجمع بين نظرية للاجتماع البشري وتدعو لخلاصه من كل القيود المفروضة عليه (وهي قيود في غالب الأحيان تتخذ شكل عبودية الإنسان لشهواته) ونظرية الخلق ،التي تربط الإنسان بخالقه محددة له حقوق الله التي عليه الالتزام بها في سلوكه اليومي وحياته الاجتماعية .ولكونه لايفرق بين عالم الأحياء حيث التأثير والتأثر ينبع من أفعالهم وسلوكياتهم العينية ،وتتدخل مصلحهم الفردية والجماعية والطبقية في تحديد مصيرهم وأفق حياتهم في المستقبل وبين عالم الغيب الذي لا نعلم عنه شيئا ،ولا يمكن أن يتدخل في كل صغيرة وكبيرة من حياة الفرد والمجتمع ،ويشكل مقلوب كما تفعل الإيديولوجيات الماضوية ،حين تعكس الواقع يشكل زائف ،يجعل من الدين خطاب سياسة ،ومن الفقه قوانين الدولة ودستورها ،ومن الفقيه السلطان الذي يحكم في العباد والوسيط الشرعي في أمور دنياه وآخرته.

بتميز هذا الخطاب بتسفيه كل فكر أوعلم يتناول الإنسان والمجتمع كموضوع له ،كأن الفكر في زعمه هو الفقه وما دونه يعتبر جاهلية لذلك يقول :”إن لدى دعاة الباطل ،ليبراليين واشتراكيين ،وقوميين و”يسار إسلامي “وكل مزيج من هذه الأصناف ،نسقا واضحا لتحليل الواقع ،ونقده ،وتحليل التاريخ ورسم مسار ممكن للمستقبل”(ص11) من كتاب :”مقدمات المنهاج”

إنها النظرة الواحدية المطلقة للإنسان والمجتمع والعالم ،وإقصاء عنيف للعقل والإنسان والتاريخ ،فالذي يعتبر جديرا بالتحليل والتفسير هو المنهاج النبوي ،لأنه” ضروري لتفسير التاريخ والواقع ،ضروري لفتح النظرة المستقبلية،ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها ،ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها ..ضروري لمعالجة مشاكل الأمة”.

هذا المنهاج في النظر يقصي بإرادته الخاصة المجتمع المدني ويختزل حركة الاستقطاب الفكري والسياسي داخل المجتمع في المساجد فقط ،ذلك أن “الحركة الإسلامية تدور حول المساجد ،فالمساجد مجالات لها ثانوية ،المساجد أماكن عامة تتصادم فيها جبهة الحق مع جبهة الباطل ،ما بين مسجد “حر” ومسجد مدول ،على مستوى الخطاب الموجه لمن حضر.والدولة العلمانية بدرجة أو بأخرى (هل الدولة المغربية علمانية ؟)بأسلوب أو أسلوب ،تعطي الخطب قيمة وتزيده نفاسه كلما دولت أو اضطهدت داعيا إلى الله.ذلك الصدام ليس هو المعركة الحاسمة بين ” ويضيف قائلا :”إن مجال المعركة الحاسمة بين الحق الذي أنزل عل محمد صلى الله عليه وسلم وبين باطل العلمانية الحاكمة وباطل الاشتراكية المادية هو نفوس الأمة وعقولها”.

إن اختيار المساجد كأماكن مفضلة ومثلى لمحاربة العلمانية والاشتراكية يأتي من كونه يخلق ذلك التأثير البليغ على نفوس وعقول المؤمنين ،بحيث تتماها لديهم الحقيقة النسبية المرتبطة بالمعيش اليومي بالحقيقة المطلقة والمقدسة المرتبطة بوجود الله ومحبته ،لأن”الواعظ الحر الغاضب على المنكر إيمانا وتدينا يخاطب نفوس الجماهير وعقولها من جانب الحق ،من جانب الآخرة ،مع نبضة ثورية تربط هموم الناس بأصول الإيمان ،فتجد تجاوبا وحماسا”(ص18)

اترك رد