أخبار عاجلة
الرئيسية / برامج tv / للذكرى: “روبرتاج” ميامي..تايتي.. كونتيكي…مسابح البيضاء الباعثة على الحلم (مع فيديو)

للذكرى: “روبرتاج” ميامي..تايتي.. كونتيكي…مسابح البيضاء الباعثة على الحلم (مع فيديو)

في وقت بعيد، كانت الدار البيضاء ” فعلا مدينة بيضاء”، فالمدينة كانت فضاء هادئا بامتياز، برقي كبير، وجاذبية لا تقاوم، إذ كان من المستحيل المرور بجانب المتع التي كانت تقدمها هذه المدينة التي منحت اسمها لأشهر أفلام هوليود، دون الاستمتاع بها. منكفئة على أسرارها، لم تكشف المدينة ستارها سوى لفئة قليلة من “الناس الميسورين أو المتعلمين”، الذين نجحوا منذ استقلال المغرب في رفع حجابها، وفك ألغازها، المحروسة جيدا من طرف جالية أوروبية كانت قد استوطنت المدينة منذ فترة الحماية.

ومع انتشار الرغبة في التحرر والقطع مع الأفكار المحافظة، وعلى وقع أمواج التغيير التي اجتاحت العالم نهاية ستينيات القرن الماضي، خاض شباب الدار البيضاء، الذين أخذوا نصيبهم من العلم ومن الثقافة الجامعية، ثورة هادئة، لم تحاول أبدا المس بطبيعة المدينة وخصوصيتها كفضاء للانفتاح والتسامح. الحياة السعيدة شباب متحررون باتوا يهيمنون على مشاهد الحياة داخل الدار البيضاء، مراهقون وشباب، فتيات وفتيان، انطلقوا في رحلة لاستكشاف “المدينة”، التي كانت فاتحة ذراعيها لاستقبال أبنائها، في انتظار اللحظة التي يأتون فيها إليها. فالدار البيضاء كانت في مقدمة كل الحركات الثقافية والفكرية والفنية بالبلاد، وكانت مدينة تنبض بالحياة، وفي كل ركن من أركانها هناك مكتبات وقاعات للسينما وأروقة وفضاءات للعروض. ثم إن التحضر والذكاء الاجتماعي، جعلا من المدينة لوحة متناغمة، زاد من جمالها معمارها الفني الفريد، الذي لم يكن يقل بهاء عن مثيله بأحياء باريس أو نيويورك. جمالية حضارية وعمرانية، وحركية ثقافية وفنية، أغرت شباب المدينة المتطلع إلى حياة جديدة، بسبر أغوار المدينة، وارتياد أهم مرافقها خاصة منها الترفيهية والسياحية، وفي مقدمتها مسابح المدينة الجميلة التي تعود إلى فترة الحماية.

وبهذه المسابح، عاشت أجيال من أبناء الدار البيضاء أجمل لحظات حياتها، مستجيبة لرغبتها في التحرر في وقت “لم يكن الناس يهتمون لتصرفات بعضهم البعض…ألم تكن الحياة حينها هي الحياة السعيدة؟”. العصر الذهبي لكورنيش الدار البيضاء نجيب الصنهاجي مواطن بيضاوي، عاصر أهم مراحل نهضة الدار البيضاء، والفترة الذهبية التي كان فيها الكورنيش مزدهرا، بالنسبة إليه، فقد كان هناك جو من المرح والمتعة والحرية بين الفتيان والفتيات، في إطار من “الاحترام التام”. وباعتباره فاعلا جمعويا أراد أن يسهم، بمعية أصدقائه في إشعاع المدينة من جديد واستعادتها لألقها ورونقها المفقود مع توالي السنين.. تحدث الصنهاجي، بمرارة، عن تلك المسابح التي كانت “تشكل جزء من حياة الشباب البيضاوي”. يحكي كيف كان الشباب، سواء أكان ميسورا أو دون ذلك، يعمل جاهدا، قبل حلول فصل الصيف، على توفير تكاليف شراء مستلزمات الاصطياف، التي كان يسعى كل واحد إلى التباهي بجودة مقتنياته وتميزها، خاصة بالنسبة لملابس السباحة وقبعات الرأس وحتى مستحضرات الوقاية من أشعة الشمس. مصطافون من كل أنحاء العالم كان الجو رائعا يقول ب.موكان، الذي أنهى ثلاثة عقود من العمل داخل “طايتي بيتش”، المشتهر في الماضي بالمسابقة التي كان ينظمها تحت عنوان “ملكة جمال طايتي”، وكانت تعرف مشاركة حسناوات من جميع أنحاء العالم. غالبية مسابح الدار البيضاء ، بما فيها المسبح البلدي الشهير، بنيت على ساحل البحر خلال النصف الأول من القرن الماضي لاستقبال العائلات الفرنسية التي جاءت لتستقر في المغرب مع عهد الحماية، لتتحول بعدها إلى قبلة لموجات متتالية من السياح الأمريكيين والأوروبيين الباحثين عن منتجع آمن. فعلى الشرفة الكبيرة لطايتي في حلته الجديدة، والذي قبل أن يفتح لنا أبوابه في يوم جميل من أيام يونيو الماضي، كانت هناك سيدة مسنة، تنظر بعيدا، كانت جالسة بمفردها، ربما تلاحق إحدى ذكرياتها بهذا المكان الذي تعرفه منذ ستين سنة.

ويحكي موكان “هل ترون هذه السيدة، فإنها ممن حملن لقب “ميس طايتي”، وظلت وفية لهذا المكان، كما غيرها، حتى وهي في التسعين من عمرها، تأتي بانتظام إلى هنا رفقة أبنائها وأحفادها، الذين هم أعضاء داخل النادي”. “كنا أحرارا” حينما حط موكان أقدامه لأول مرة بعين الذئاب سنة 1988، كانت ما تزال تنظم مسابقة خاصة بكمال الأجسام لفائدة الذكور، حيث كان المصطافون يستعرضون عضلاتهم أمام لجنة التحكيم والجمهور، مرتدين ملابس السباحة، بكل حرية ودونما خوف من الانتقاد. ورغم تجديد مرافق المنتجع، بذوق راق ورفيع لمنح الزوار شعورا بالراحة والاسترخاء، إلا أن هذا العامل لا يستطيع أن يخفي حنينه إلى السنوات التي خلت، حين كان كورنيش الدار البيضاء مفعما بالحياة، ويشهد تنظيم عدة مسابقات بين مختلف شواطئ ومنتجعات المدينة، والتي ضاهت شهرتها حينها شهرة الديربي الكلاسيكي. “كنا نشعر أننا أحرار”، يستدرك الصنهاجي الفاعل الإعلامي وأحد مؤسسي جمعة “أنو آرت” التي تعمل من أجل النهوض بالثقافة والفن بالمدينة، “وكنا أحرارا بكل ما للكلمة من معاني، وكنا نشعر أننا في أمان، ونستطيع مقارنة منتجعاتنا المحلية دون عقد مع نظيرتها الأوروبية أو غيرها” . الشواطئ والمطاعم والمسابح ما تزال هنا أو تكاد، لكن ما ينقص اليوم هو روح التسامح، وذاك الفرح الطفولي اللذين صار يفتقدهما الكورنيش، والذي صار زواره يعيشون معاناة حقيقية بفعل الأشغال التي لا تنتهي، والتي يخضع لها في كل موسم اصطياف. غياب روح الانفتاح والتسامح هو ما أكده أيضا أحد الفاعلين بعين المكان، والذي صرح لنا أنه “لا أحد في الوقت الحالي سيجرؤ على تنظيم مسابقة من المسابقات التي كانت تنظم في الوقت الماضي بمنتجعات عين الذئاب، بسبب هيمنة الخطابات المتشددة، فلو بادر أحدهم إلى تنظيم مسابقة ملكة جمال أو في كمال الأجسام لوجد نفسه وجبة مستباحة على مواقع التواصل الاجتماعي”. كان يا ماكان ..كان هناك أنفا بلاج ، أكابيلكو، ميامي تروبيكانا والرمال الذهبية. وهو يقلب بين دفات ذكرياته البعيدة، رسم لنا رشيد الأندلسي “ابن مدينة الدار البيضاء”، كما يفعل في عمله اليومي كمهندس معماري، طبوغرافيا مسابح المدينة البيضاء ” على طول كورنيش عين الذئاب، هناك مسبح إيدن بحوض سباحة متفرد، والذي كان يشكل الفضاء المفضل للمراهقين، وحينما نكون متوجهين نحو الكورنيش الحالي نجد مسبح الرمال الذهبية بحوضي سباحة جميلين، وخشبات قفز مميزة ومستودعاته الفسيحة التي كانت تستقبل أعدادا كبيرة من تلامذة الثانوي الذين جعلوا منها مكانا للقاء”.

ويتابع “ثم مسبح الرمال الذهبية، الذي كان موجودا بالقرب من الفندق الحالي (فور سيزن)، ولم يعد له أي وجود مادي الآن، حيث تم مسح المسبح تماما، ولم يتبق منه سوى الاسم، وباقة ذكريات”، وهو ما جعل الأندلسي يعبر عن غضبه لهذا الوضع من موقعه كرئيس لجمعية (كازا ميموار) التي تسعى إلى حماية ذاكرة الدار البيضاء وصيانة تراثها العمراني. “وهناك، أيضا، مسبح أنفا بلاج ، المسمى حاليا نادي (برادايز)”، يكمل السيد الأندلسي، “والذي كان يتوفر على مسبح راق وأنيق بمطعمه الشهير، وغير بعيد عنه، الليدو بمزلاقاته المائية وخشبات القفز وشاطئه المحدود، الذي كان مكانا حميميا لشبان المدينة، كما أن هذا المسبح كان فضاء محميا لكونه كان مغطى بالكامل بالزجاج لحماية مرتاديه من الرياح، وبعده مسبح طايتي الشهير بأحواضه العديدة وملاعبه الرياضية ورونقه الجميل إلى جانب ما كان ينظمه من فعاليات صيفية منتظمة”. وبجانب هذا المسبح الذي كان مكانا للقاء بين مختلف الأجيال، ولكل المغاربة دون تمييز اجتماعي أو ديني، يوجد أكابيلو وتروبيكانا وميامي المعروف بمطعمه وأحواضه الطبيعية التي كانت تملأ من مياه البحر، وكذا ناديه الشاطئي وحماماته الشمسية الخاصة، إضافة إلى توفره على ناد رياضي من أجمل النوادي على المستوى الإفريقي . فهذا المسبح، المحدث وفق معايير الجودة العالية المعمول بها دوليا، أصبح يشكل المكان المفضل لرياضيي الترياثلون بالمغرب لإجراء تداريبهم، فهو مركب استثنائي يديره بمهارة السيد جواد دمنهوري الذي حول مقاولة عائلية عريقة إلى مكان للعيش وفضاء استثنائي وحميمي ورياضي. ويعود السيد الصنهاجي ليبوح لنا أنه يحتفظ بمودة خاصة لمنتجع كونتيكي “بخزاناته المائية التي كنا نسبح فيها مع قناديل وقنافذ البحر، وبحلبة الرقص التي كانت مزودة بصندوق للموسيقى”، مسترجعا تلك اللحظات من الاسترخاء بمقهى كاليبسو حيث “كان الكل سعيدا بالحياة”. فردوس شباب الأحياء الشعبية وغير بعيد عن كورنيش الدار البيضاء، في اتجاه شاطئ للا مريم، نعثر على مسبح شهير من مسابح الدار البيضاء القديمة ، “إيدن روك”، الوجهة الأكثر استقطابا على مستوى حي العنق، المشهور بمنارته العريقة التي تعتبر الأعلى على مستوى المملكة. وشكل هذا المسبح، على مدى سنوات، الفردوس المنشود للشباب المنحدرين من الأحياء الشعبية، التي كانت تشكل أحزمة تحيط بالمدنية، دون أن يخلوا بقواعد السلوك الجيد. وبعيدا عما يمكن تسميته “نخبوية” المسابح أو المنتجعات بعين الذئاب وتعالي “السان بيتش” النادي الخاص الوحيد بالكورنيش، فإن الأجواء كانت أكثر دفئا وأكثر مرحا ب”إيدن روك”، حيث كان من المعتاد أن يقوم الشباب، متباهين بقوامهم، برسم حدود منطقتهم الخاصة. وكان ثمن الدخول إلى المسبح 10دراهم فقط، فيما كان التلاميذ الذين يدلون ببطاقة التمدرس لا يدفعون سوى نصف الثمن، كما يتذكر ذلك عبد المجيد ذي الخمسين سنة. واليوم، وهو رب أسرة، لم يفقد شيئا من طابعه المرح على غرار باقي أبناء درب السلطان، وهو يحكي دائما بانتشاء عن الحيل التي كانوا يلجؤون إليها ليغنموا لحظات من السباحة بثمن أقل.

كان يكفي أن يكون هناك وسيط جيد ليتيسر للشباب الدخول إلى المسبح والاستمتاع بالسباحة بأقل كلفة، وقد كان من بين أصدقاء عبد المجيد ابن موظف بأحد الأبناك، وكان يساعده في الحصول على بطاقات بثمن مخفض، وهي البطاقات التي كان يستفيد منها عادة مستخدمو المؤسسات البنكية. مثل سمكة في الماء وبغرب الدار البيضاء، وعلى بعد 13 كلم من كورنيش المدينة، كانت سلطات الحماية قد شيدت بعين السبع مسبحا حمل اسم “أوسيانيك كلوب” للترويح عن العمال الفرنسيين والإسبانيين والإيطاليين الذين كانوا يعملون بتلك المنطقة الصناعية. وسيحتفظ المسبح بهويته تلك حتى بعد استقلال المغرب، وظل فضاء لاستمتاع العمال وأبنائهم، فلا أحد كان يمكنه أن يحرم نفسه من لحظات لا تنسى مستمتعا بنظارة الماء وانتعاشته، ليصدق فيه القول “كمثل سمكة في الماء”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

التعاضدية العامة للموظفين تستغرب تدخل وزير التشغيل في شؤونها

Share this on WhatsAppفي رد للتعاضدية العامية لموظفي الإدارات العمومية، على مراسلة محمد يتيم وزير …