مشايخ في سماء الطرب والموسيقى السيد درويش..الشيخ إمام …(فيديو)

0


ماهر فرغلي
كاتب وباحث مصري

منذ بدايات عصر النهضة  الموسيقية العربية، منتصف القرن التاسع عشر، بدا أنّ المشايخ هم رواد فنّ التلحين والغناء، ربما لأسباب عدة، على رأسها أنّ فنَّي تلاوة القرآن الكريم والإنشاد الديني مثّلا المنبع الأول للتكوين الفني القوي للمطرب أو الملحّن، وأحياناً مصدراً مهماً لاستقاء النغم العربي الأصيل.

علاقة أصيلة

هكذا يرى الباحث في التراث، هيثم أبو زيد، الذي أكد في حديثه لـ” حفريات”(مصدرنا في هذا المقال)، أنّ “الغناء الراقي الجاد احتاج دائماً إلى قدرات عالية وهمّة كبيرة في تحصيل أصوله وإنتاجه، وكان المشايخ والقراء والمنشدون ومنتسبو الأزهر أقدر الناس على هذه المهمة”.

اشترك الفنانون المشايخ في عدة خصائص، هي: الموهبة الفذة، والصوت القوي، وعلم الموسيقى الغزير؛ فالشيخ محمد رفعت كان يغني في الإذاعات الأهلية قصائد عربية، ويستمع إلى الموسيقى  الكلاسيكية في بيته، أما الشيخ مصطفى إسماعيل فله تسجيل وهو يغني “طلع البدر علينا”، وكان على علاقة جيدة بأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وتصادف مرة وجوده في الإذاعة، وحضر بروفة لكوكب الشرق بناءً على طلبها، وسألته عن رأيه في الغناء والتنقّل بين المقامات، وأبدى ملاحظاته.

غنّى كثير من المشايخ، مثل: طه الفشني، والنقشبندي، ومحمد عمران، والعكس كذلك؛ قرأ المطربون القرآن الكريم مرتلاّ، مثل: أم كلثوم، وعبد الوهاب، وسيد مكاوي؛ بل وفكّر بعضهم في تلحين القرآن الكريم؛ ففي عدد مجلة “المصور” العام 1961، كتب الشاعر صالح جودت مقالاً عنوانه “مات شيخ الملحنين زكريا أحمد، أراد أن يعيد تلحين القرآن!”، ولعلّه قصد هنا “الترجيع” الذي هو تحسين الصوت والتغنّي بالقرآن الكريم عند الإتيان بالمدود، وفق التعريف الشرعي.

الموسيقار وعازف الكمان، محمود سرور، لفت بفيديو على اليوتيوب، إلى أنّ أبرز الموسيقيين الذين تعاملوا مع المشايخ والقراء هو الموسيقار عبده داغر، قائلاً: إنّ الذي لم يتعامل مع المشايخ وكبار قراء القرآن الكريم والمنشدين، قد فاته الكثير الذي لن يستطيع تعويضه بالدراسة.
سئل الملحن والمطرب، سيد مكاوي، عن ظاهرة المشايخ الذين حملوا لواء النغمة الشرقية الأصيلة، وأصبحوا علامات في تاريخ الموسيقى  ، فقال: “حفظ القرآن الكريم وتجويده كان له أكبر الأثر في تنقية أحاسيس ومشاعر من تطلق عليهم تسمية “مشايخ الطرب”، إلى جانب الارتباط بالكلمة العربية الأصيلة والمعنى السليم”.

المشايخ المطربون

وسط هذا الجدل، برز المشايخ الملحنون كحالة وسطية؛ حيث غلّفوا بطربهم الأجواء، فقد كانوا يمتلكون بنية نغمية خاصة، استنبطوها من نص القرآن الكريم  العظيم والمقدس، الذي فيه تباين عظيم بين آيات العذاب والرحمة.

من أشهر هؤلاء المشايخ في القرن التاسع عشر: الشيخ إسماعيل سكر، الشيخ حسن جابر، الشيخ أبو العلا محمد، الشيخ إبراهيم الفران، الشيخ علي محمود، الشيخ يوسف المنيلاوي، المتوفَّى عام 1901، وكانت شهرته لا تقل عن شهرة محمد عبد الوهاب.
لم يكتف الشيخ المنيلاوي بأداء الأغاني الدينية؛ بل أخذ يغني الأغاني العاطفية، التي اختارها من بعض قصائد الغزل المعروفة في الشعر العرب القديم، وظل حتى آخر يوم في حياته يرتدي زيّ المشايخ، وذلك وفق موقع الموسيقى العربية.
من أهم المشايخ الموسيقيين؛ الشيخ درويش حريري، الذي عرف عنه علمه الغزير في المقامات الشرقية، حتى أنّ أساتذته صاروا من تلامذته يوماً ما، ورغم ذلك لم يعزف على آلة موسيقية، وكان أستاذاً للشيخ أبو العلا محمد، ومحمد عبد الوهاب، وزكريا أحمد، وكان المرجع الأول في مصر في مقامات الشرق لعشرات الأعوام.

سبق الشيخ زكريا أحمد، المجدد للموسيقى المصرية؛ الشيخ سيد درويش، واسمه الحقيقي السيد درويش البحر، وكان أزهرياً وجاء لعالم الفنّ بالصدفة، فقد كان عامل بناء، وسمعه الأخوان أمين وسليم عطا الله، وهما من أشهر المشتغلين بالفنّ آنذاك، يغني في مقهى قريب من الموقع الذي كان يعمل به، فلفت انتباههما صوت هذا العامل، واتفقا معه على أن يرافقهما في رحلة فنية إلى الشام، نهاية العام 1908، ليبدأ مشواره الموسيقي الكبير.
من العلامة في الغناء أيضاً؛ الشيخ سلامة حجازي، وهو من مواليد رأس التين بمصر، العام 1852، كان حافظاً للقرآن الكريم، صنعت الأفراح نجوميته، حتى بدا المسرح في الظهور بقوة خلال القرن التاسع عشر، على يد يعقوب صنوع، فاتجه لتقديم الرواية، فقدم “مي وهوارس”، وبعد صعود وظهور نجمه؛ انضمّ إلى فريق جورج أبيض، وتغنَّى بألحانه العديد من أشهر المطربين في مصر، أمثال: منيرة المهدية، ومحمد عبد الوهاب.

أما الشيخ علي محمود، فهو مقرئ ومنشد مصري، وصاحب مدرسة عريقة في التلاوة والإنشاد، وهو أستاذ القارئ العملاق، الشيخ محمد رفعت، وقد درس الموسيقى على يد الشيخ إبراهيم المغربي، عرف ضروب التلحين والعزف وحفظ الموشحات، على يد محمد عبد الرحيم المسلوب، كما أخذ تطورات الموسيقى على يد الشيخ التركي، عثمان الموصللي واستفاد منه في الاطّلاع على الموسيقى التركية وخصائصها، ومن بطانته الشيخ زكريا أحمد.
كذلك الشيخ كامل الخلعي؛ الذي كان واحداً من أهم المدونين الموسيقيين، ومزج الموسيقى التركية  بالعربية، وكان سيد التخت، وعاصر عمالقة الإبداع، ومنهم: محمد عثمان، عبده الحامولي، سلامه حجازي، سيد درويش، داوود حسني، محمد القصبجي، زكريا أحمد، ومحمد عبد الوهاب.
في القائمة أيضاً؛ أستاذ المسرح الغنائي العربي، الشيخ أحمد أبو خليل القباني الدمشقي (1842 ـ 1903)، وكان شاعراً وموسيقياً وأديباً وممثلاً.


من التاريخ المعروف بالغناء، وفق موقع “العرب” للموسيقى؛ أنّ حبشي جرجس، صاحب أول محطة إذاعة أهلية في مصر، استطاع أن يقنع الشيخ محمد رفعت بأن يغني في إذاعته، دون أن يعلن اسمه في الميكروفون، فغنى قصيدة الشيخ أبو العلا محمد: “وحقك أنت المنى والطلب”، وقد أثار صوته المستمعين، فانهالت الرسائل على المحطة الأهلية تطالبها بإعلان اسم هذا المطرب المجهول، وتقديم أغانيه باستمرار.
وكان من أهم مشايخ الغناء؛ الشيخ إمام عيسى، الذي شكل ثنائياً مشهوراً، مع الشاعر أحمد فؤاد نجم، الأول بألحانه، والثاني بأشعاره.

سطوة الأصولية

ورغم التاريخ الطويل الذي يرصد العلاقة بين المشايخ والموسيقى؛ فقد حدث تراجع في هذه المسألة، والدليل تلك الواقعة المشهورة منذ عدة شهور، حين أحالت وزارة الأوقاف المصرية شيخاً للتحقيق؛ لأنّه غنى أغنية لأم كلثوم في أحد البرامج، بدعوى “إهانته للزيّ الأزهري”، وقال الشيخ جابر طايع، رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف المصرية: “إنّ الشيخ إيهاب يونس، يعمل إماماً وخطيباً بمسجد علي بن أبي طالب، التابع لإدارة أوقاف السلام، وتمت إحالته للتحقيق بديوان عام الوزارة”، مضيفاً أنّه “سيمثل للتحقيق بالوزارة، بسبب إهانته الزي الأزهري”.
يمكن أن يكون الموقف السابق نابعاً من انتشار الأصولية والسلفية، التي تحرم المعازف، وتعدّ  الغناء والطرب درباً من دروب الفسق، رغم، تباين الأقوال في التحريم، فضلاً عن أنّ البحث في تاريخ الموسيقى العربية يحيلنا لوجود كبار المطربين والملحنين ممن كانوا مشايخ أزهريين مقرئين للقرآن الكريم، وفي ذات الوقت؛ سنجد علاقة وطيدة بين كبار المطربين ومجوّدي القرآن الكريم والتواشيح يتعلمون منهم المقامات بشكل واضح!

المصدر: حفريات

اترك رد