هل دخلت الدولة المغربية مرحلة تدبير ندرة خياراتها السياسية 2/1

0

خالد فضيل

أيوجد، حقا، ما يبرر حنق جل المغاربة على مؤسساتهم الدستورية إلى هذا الحد الذي بتنا نعاينه منذ 2007، و الذي أفصح عن نفسه بعزوف الناس عن الاستحقاقات الانتخابية و ارتفاع منسوب الاحتجاج في الشارع و شبكات التواصل و اقتناصهم لكل فرص التذمر و السخرية من الفاعلين السياسيين و الاجتماعيين.

    حجم انتظارات المواطنين، ابتداء من فبراير 1999، و ترقبهم لتغييرات جوهرية في الدستور و السياسة و الاقتصاد و القوانين و أداء المؤسسات و النخب، تفضي إلى فض الاشتباك حول الانتقال الديمقراطي  و العدالة الاجتماعية، و جعلهما أولوية مرافقة و ملازمة لإرادة الإصلاح  التي تحدثت عن نفسها، أمام الرأي العام الوطني و الدولي، منذ أول خطاب للعهد الجديد، حجم تلك الانتظارات و اختلال التوازن ما بين متطلباتها و مثبطاتها لصالح جيوب مقاومة التغيير بعد 2005، دفع إلى كل  هذا الاستياء الذي لا يبعث على الاطمئنان و يساءل الجميع هنا و الآن.

     مسار الأشياء فيما بعد، لم يفعل سوى تعزيز الامتعاض و فك الارتباط بين المؤسسات و الناس الذين اعتبروا الكلام عن العدالة الانتقالية و الديمقراطية و الإنصاف الاجتماعي و المجالي و التنمية المستدامة و هلمجرا مفردات من قاموس سياسي جديد، لا يعني شيئا ما لم يتمكن من إحداث تبديلات محسوسة على معيشهم و شعورهم بالكرامة عند الارتفاق و تنفسهم للحريات في كل فضاء.

     وثيرة الأوراش الكبرى انخفضت، و المبادرات النوعية تقلصت، والنفس الديمقراطي لم يعد بنفس الانسيابية و التوهج، و حكومتا العدالة و التنمية أوصلتا البلاد إلى ما هي عليه من عجز و ترنح و مبني للمجهول، و البرلمان بغرفتيه لم يستطع التقاط غضب عارم يعتمل على خطي طول و عرض المجتمع،

 و الجماعات الترابية أضحت عبئا حبيسا لظهير 1976، و بنود الدستور و ترسانة القوانين المتقدمة جدا، لا أحد يقترب من دواعيها و معانيها و تماساتها مع المستقبل، و كأننا مازلنا قبل 1995، و كأن مهام الدمقرطة، و الحريات و حقوق الناس و العدالة الاجتماعية و النزال مع قوى النكوص، متروكة لمشيئة الدولة وحدها و لا مجال فيها لمبدأ التأثير والتأثر و موازين القوى.

       قيادات الأحزاب ضربت عرض الحائط بكل ما تفتق عن العقل البشري في مجال  العلوم السياسية، و الفقه الدستوري، و اختزلت أسباب الوجود و النزول في إشهار شهادات حسن السير و السلوك إزاء صناع القرار قبل الانتخابات، و شراء الذمم أو تضليل الناس إبان الانتخابات، و عقد التحالفات الهجينة التي لا تفسير لها بالمنطق السياسي السوي ، و لم يعد يهمها سوى المقاعد و الحقائب و الوجاهة و الريع السياسي بعد الانتخابات.

       النقابات تخلصت من تراث أواخر القرن الثامن عشر و أوائل القرن التاسع عشر ومن أدبيات النشأة،
و لم يعد فيها مكان إلا للزعيم و الحاشية، ولا حظ في جدول أعمالها لقضايا الأجراء و التنمية  و الإنصاف،
و لا التزام لديها إزاء المرجعيات الأساسية للنضال الاجتماعي  و متطلبات تسوية تاريخية لنزاع  رأس المال و قوة العمل،  و كل ما تتوفق فيه هو التبضع من متاجر و شوارع عواصم  الدنيا، أين تعقد اللقاءات و تعتلى منابر التحدث باسم العمال و المضطهدين و المسحوقين، في فنادق أرقى من تصنيف النجوم و علب ليلية أغرب من حكايات شهرزاد.
 المجتمع المدني تحول من سلطة مضادة إلى باحث عن أموال المانحين، و لاهث وراء فتات الموائد،
و مستجد لرضا السلطة و المنتخبين، و لاعب أساسي في استمالة الناخبين، و عارض لخدمات خلط الأوراق كل غرة و حين.

       أجندات القائمين على شأننا العام، تستنزف الميزانيات المالية و الإمكانيات اللوجستية و الموارد البشرية لتفضي إلى  سياسات عمومية تنعش البطالة بدل الشغل، وتؤذي صحة المغاربة  في مستشفيات ترتع فيها الجرذان و لوبيات الفساد و التمييز و إهمال الناس عوض الحق في التطبيب و العناية و الاحتضان الإنساني،  و ترهن التعليم في حلقة مفرغة، مقلقة و مفزعة، مازالت تعيد إنتاج نفسها و منطقها الأخرق في شكل مآسي

و ملاهي منذ أول مزاعم للإصلاح على عهد حكومات الإدارة، و ما تلاه من  تعهدات التناوب التوافقي، وصولا إلى مآزق الحكومات القادمة ،افتراضا، من صناديق الاقتراع و دستور اعتقدناه تعاقدا بين الدولة، و المجتمع للمضي قدما نحو الديمقراطية و التخلص من الفساد والاستبداد و الريع و وقاحة النخب .سياسات تعمق فوارق غاية في الاستفزاز و السوريالية  بين الفئات و الجهات على حساب العدالة الاجتماعية و المجالية  المفقودتين منذ الاستقلال ،و تصر على التعنت و ترديد لازمات سئمها المواطنو، و خطاب أجوف باتوا  يمقتوه بدليل السنوات الضوئية التي أصبحت تبعد الشعب و تطلعاته عن المؤسسات و ترهلها.

      حراك الريف و جرادة، و موجة الغضب على مقتل حياة تطوان و هدم دواوير عين السبع البيضاء،

و خروج الأطفال للتظاهر الصاخب ضد ارتجال حكومة أنهكتنا بالضرائب و بالزيادة في كل شيء، و قلق العامة من انتشار رقعة و نوع الجريمة، و تقهقر نسب النمو، و اضطراد أرقام الفقر و البطالة و الهشاشة،

 و صمت الناطق الرسمي، إياه،  عن كل شيء قد يعكر صفو  مكوث حزب العدالة و التنمية، الذي قدم أوراق اعتماده كتوجه غير جدير بأي شكل من صيغ التحالفات و أثبت، بما لا يدع أي مجال للشك، أن من ينتصرون للديمقراطية، و العدالة الاجتماعية و حقوق الناس و تقدم الأوطان،  على عاتقهم تجنب القادمين من خلط السياسة بالدين، و القادرين على إنتاج خطاب غير مسبوق في التراث السياسي للشعوب ، خطاب لا يجد أدنى حرج في سن السياسات العمومية العاصفة بمكتسبات و تطلعات المواطنين و ممارسة المعارضة و السفسطة و المهاترات الشعبوية لنفس السياسات من موقع السلطة التنفيذية، مكوث حزب لطالما وعد و نكث في ردهات الاستوزار ، و اكتفائه باستظهار مقزز للأرقام و بإبراز فضائل تأبيد الساعة الزائدة و  تعداد معتقلي و  ضحايا التظاهر، و توزيع جاحد للتهم و أحكام القيمة على شباب سئم الحيف و الحكرة و الظلم و صعود قيادات الأحزاب على أكتاف البسطاء باسم ثالوث التاريخ و المال و الدين،  و لم يعد  يتنفس سوى خلف شاشة أو من خلال الأهازيج الصاخبة في ملاعب الكرة، أو عبر حلم العبور حتى إلى أتعس مكان بجغرافيا دول الشمال، ناهيكم عن الشعور بالغثيان الذي ينتاب الناس كلما شاهدوا أصحاب السياسة و النقابة و جوازات المرور إلى القنوات و الفضائيات يتحدثون دون خجل و لا وجل، و كأن الوضع مستقيم و الأشياء في الطريق القويم و لا حاجة بنا لا لتقييم و لا لتقويم ،كل هذا و غيره،  مؤشرات على أن البلاد قد تكون بدأت تجانب الصواب و تخطأ موعدا غاية في الأهمية مع التاريخ .

       لسنا من المتحاملين و لا ممن  ينظرون إلى النصف الفارغ من الكأس و لا ممن يركنون إلى اليأس و لا من أصحاب كل شيء أو لا شيء ،لكن علينا أن نكون واضحين و ننئ عن كلام ساستنا  الحابل بالالتباس،  و القرف و أنصاف الحقائق و الفارغ من أي مقاربة أو حس أو شعور بمعيش الناس و تحديات وطن.

      الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها، هي أن المرحلة تكتنفها أزمة مركبة، معقدة و  متعددة الأبعاد.

      أزمة سياسية بدأت منذ خريف 2002، و تعاظمت مؤشراتها الحمراء منذ صيف 2007، عنوانها البارز، انهيار الثقة بين الناس و المؤسسات و النخب .أزمة سياسية عميقة،  تقتضي مراجعة جذرية لرؤية

و هيكلة الدولة و الأحزاب و النقابات و الإعلام و ليس لأسلوب صناعة قطع الغيار البالية الذي لا يساعد إلا في تعميق الأزمة و مصادرة الممكن من الحلول و تكريس الابتذال في أحسن الأحوال.

        أمامنا انهيار توافقات بدايات الاستقلال، و صدامات بناء الدولة برأي واحد و دستور ممنوح و مجال سياسي تقليدي و حكومات ظل  و أم الوزارات و  تزييف الاستشارات و الاستحقاقات و الحقائق السياسية، و الاجتماعية و كتم الأنفاس و اقتراف انتهاكات و مآسي وثقها شهود العيان و الذاكرة الجماعية و التاريخ،  فلماذا نبدد فرص توافق حقيقي بدا ممكنا ،عظيما وواعدا مطلع الألفية الثالثة و بات،الآن، قاب قوسين أو أدنى  من الخفوت و الضمور و  الانتهاء بسبب  بؤس التفكير الاستراتيجي لدى دوائر هنا و هناك و تشكل بؤر و آفات و جيوب مناهضة التغيير في بعض من أروقة الحكم و جل تضاريس السياسة و مفاصل  الاقتصاد و منصات صناعة الرأي العام.

         أمامنا نتائج الخروج عن المنهجية الديمقراطية عام 2002  ، فلماذا نصر على الابتعاد عن التأويل الديمقراطي لدستور يوليوز 2011 و العودة إلى ما قبل السياق و الدواعي و المنطوق و نفضل تعزيز الملكية التنفيذية بدل خيار التوزيع العادل للسلطة و الصلاحيات و الانتقال الهادئ و السلس نحو الديمقراطية.

         أمامنا مآل العرض السياسي الجديد لصيف 2008  ، فلماذا نذهب قدما نحو خيبة لرهان يبعث عنوة من  الرماد و يذكرنا بحكم التعليمات و بكل شيء سيء تخلل حياتنا السياسية على مدار عقود ، لماذا نرتب  الأوراق و الأشياء و الكيمياء لنكسة ستحصل، لا ريب، خريف 2021، بتداعيات  ستعزز حجج دعاة التشدد، و تضعف مبررات خيار الإصلاح . أفلهاذا الحد ندرت الخيارات السياسية من فوق طاولة دولة بكل هذه الخبرة والتجارب و الكفاءات و  المراس وأصبحت تعوزها البدائل الحقيقية لرتابة و رعونة و قتامة المشهد السياسي ؟.

       لقد بدا واضحا أن الملأ لن يقبل إملاءات ذوي النفوذ و الثروة و الحظوة .الناس قد يعطون فرصة أخرى، قبل إشهار الورقة الحمراء دون رجعة و في وجه الجميع. لكنهم سيمنحون هذه الفرصة، إن وجدوا حركة للإصلاح الحازم، تحظى بالقدرة على إنتاج الأفكار و البرامج و البدائل و سواعد الإنجاز و آليات الإصغاء لنبض الشارع و القرب من المواطنين، و تدرك تعقيدات مراحل الانتقال، و تصون ثوابت الأمة عن قناعة إستراتيجية و ليس على سبيل التكتيك السياسي، و تعقد التسويات الكبرى لصالح البلاد و العباد، و ترجع الدولة إلى الصواب كلما لزم الأمر.

اترك رد