اشتهر مؤلف الكتاب بالاشتغال على بعض أنماط التدّين الإسلامي الحركي في الساحة المصرية على الخصوص، وتتمحور الفكرة الرئيسية لكتابه هذا حول تأثير مظاهر الرأسمالية والعولمة على هذا التديّن الإسلامي، سواء تعلّق الأمر بالتيار الإخواني أو السلفيين أو حتى بعض الصوفية، وإن كان التركيز أكثر يهم حينها ظاهرة “الدعاة الجدد”.
بين تاريخ صدور الكتاب وما جرى بعد أحداث 2011 من جهة، وما نعاينه منذ أسابيع في الساحة السورية ابتداءً من مطلع ديسمبر/كانون الأول 2024، جرت عدة تطورات أو تحوّلات، ولن يكون آخرها انتقال تعامل الإدارة الأميركية، ومعها عدة إدارات أوروبية، مع شخصية أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، من النقيض إلى النقيض بنسبة 180 درجة، حيث بالأمس القريب، كان قياديًا مصنّفًا في خانة المبحوث عنهم من قبل الإدارة الأميركية، قبل أن يُصبح اليوم أحد الضيوف الذين تحاورهم فضائية “سي. إن. إن”.
ربما لا يخطر على بال باتريك هاني، وهو الذي استشرف بعض التحولات التي نعاينها في خطاب وممارسة إسلاميي المنطقة العربية، أن تصل هذه التحوّلات إلى هذه الدرجة، إن لم نذهب إلى أنّ توقّع هذه التحولات مع شخصية محسوبة على المرجعية الإسلامية الجهادية، كان أمرًا في خانة اللامفكر فيه، من فرط هذه المفاجآت التي نعاينها في تقلّبات الظاهرة الإسلامية الحركية، وهي التقلّبات التي اتضحت جليًّا في سياق تفاعل الظاهرة مع أحداث 2011، من قبيل ترويجهم خطاب “ربيع حلال” و”ربيع حرام”، أو القبول بتطبيع دولة عربية مع الكيان الإسرائيلي مقابل الصمت عن تطبيع دولة أخرى، ضمن أمثلة يصعب حصرها.
لائحة عريضة من الأمثلة حول قابلية القيام بأدوار وظيفية ضد مصالح الدول العربية حسب سياقات وإكراهات اللحظة
ليس هذا وحسب، أي لم تقتصر هذه الازدواجية الممارسة باسم “المرجعية الإسلامية” على الإسلاميين إجمالًا، بل طالت حتى نسبة من الأسماء الدينية التي تنهل من مرجعية صوفية، ولا علاقة لها بالمرجعية الإسلامية الحركية أساسًا، لعل أبرزها في الساحة المغربية والمغاربية، ما صدر عن المفكر الصوفي طه عبد الرحمن، كما نقرأ في كتابه “ثغور المرابطة” (صدر في نوفمبر 2018)، حيث انتقد بشدة في الفصل الأول من الكتاب، مجمل الدول العربية التي انخرطت في التطبيع مع إسرائيل، مقابل التنويه في الكتاب نفسه بالنظام/المشروع التركي، مع أنّ أي متتبّع لمؤشرات التطبيع، يعلم يقينًا بأنّه لا يمكن لأي دولة عربية أن تنافس تركيا تحديدًا في هذا المضمار، بدليل أنّ تركيا كانت أول دولة في محور طنجة جاكارتا، تستقبل استقبالًا رسميًا الرئيس الإسرائيلي، في حفل جرى يوم 9 مارس 2022.
مّا مع الشيخ يوسف القرضاوي، فقد وصل الأمر إلى توجيه دعوة صريحة إلى قوات “المارينز” عبر فضائية خليجية، من أجل إسقاط نظام العقيد معمر القذافي، مع أنّ الشيخ نفسه، كان ضمن أبرز ضيوف القذافي قبل اندلاع تلك الأحداث، والأمر نفسه مع أحد رموز الحركة الإسلامية في المغرب، والذي كان أحد المشاركين في موسوعة فقهية صادرة عن دولة خليجية، ولكن، مباشرة بعد اندلاع تلك الأحداث، انتقل إلى دولة خليجية، وأصبح في مقدمة منتقدي الدولة الأولى التي كانت تموّل مشاركته في تلك الموسوعة.
وهكذا الأمر مع لائحة عريضة من الأمثلة الدالة التي تطرح أسئلة مؤرقة حول قابلية القيام بأدوار وظيفية عن غير قصد أو عن وعي، ضد مصالح الدول العربية، حسب سياقات وإكراهات اللحظة، والأدهى، أن يتم التلويح بخطاب “المرجعية الإسلامية”، من باب “التأصيل الشرعي” لمثل هذه الممارسات المعادية للمنطق السليم في القول الشرعي.
من حق مجمل هذه التيارات والأسماء تبني هذه الازدواجية أو المفارقات في المواقف والسلوك، لأنّ الناس أحرار في الاعتقاد، فالأحرى الحرية في إبداء الرأي، لكن في سياق الدفاع عما تبقى من القواسم العربية المشتركة، وعلى ضوء أهوال الساحة والتهديدات المركّبة التي تواجه أغلب الدول العربية، فإنّه من حق الرأي العام أن يتوجس أكثر من خلفيات ومقاصد هذه المواقف، والتي للمفارقة، تصب في أفق ما سطرت له أدبيات “سايكس – بيكو”، أي تكريس التفرقة بين شعوب ودول الوطن العربي، بينما المطلوب منا جميعًا اليوم، الدفاع عمّا تبقى من هذا المشترك العربي، والتصدي لأي محاولة إقليمية أو دولية تروم المزيد من التقسيم، كما نعاين عمليًا في ليبيا، وكما يُخشى منه في سوريا!.