الرئسيةرأي/ كرونيك

الحرية هي التي تحمي القيم.. أما السلطوية فتفسدها

بقلم الناشطة الحقوقية: سارة سوجار
إن الاختلاف أو الاتفاق حول القيم المؤطرة للمجتمع أمر صحي وضروري لتطوره وصناعة حضارته. غير أن مجال ترسيخ القيم يظل التربية ومؤسسات التنشئة الاجتماعية، لا أجهزة الشرطة ولا القضاء ولا منطق العقاب الزجري.
فالمنظومة القانونية العقابية لم تثمر يوما مجتمعا أكثر عدالة أو إنسانية، بل على العكس ما زالت الممارسات التي يراد محاربتها قائمة، فيما الكوارث المرتبطة بالكبت والقمع الجنسي تتفاقم في دولنا.
هناك خلط بين النضال من أجل قيم إنسانية سامية تعلي من شأن الحرية والعدالة والنبل، وبين الدفاع عن منطق الزجر والسجن، الذي يكرس فشلا تاريخيا.
فالاعتقال والقمع لم ينجحا يوما لا في القضايا السياسية ولا في القضايا المجتمعية. إنما الذي يحمي القيم ويحصن المجتمع هو الوضوح والشجاعة والحرية في نقاش كل القضايا.

السلطوية ليست مجرد قرارات سياسية أو قوانين

وفي الدول المستبدة على وجه الخصوص، يصبح منطق العقاب الزجري أداة من أدوات الضبط المجتمعي، يعاد عبرها إنتاج نفس العقليات ونفس مناخ السلطوية.
فالسلطوية ليست مجرد قرارات سياسية أو قوانين، بل هي بنية فكرية وقيمية واقتصادية تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، من أصغر مؤسسة (الأسرة والعلاقات الفردية) إلى أكبر مؤسسة (الدولة). إنها منطق شمولي يعيد ترتيب موازين المجتمع وعلاقاته وفق ميزان السيطرة والتحكم، لا ميزان الحرية والاحترام.
ولهذا، فإن تفكيك السلطوية عملية مركبة ومتشابكة، لأنها لا تختزل في السياسة وحدها، بل تسكن في عقلياتنا وسلوكياتنا وقيمنا.
ومن هنا تصبح الحريات – الفردية والجماعية – جزءا لا يتجزأ وكتلة مترابطة، لا يمكن فصلها أو تجزئتها: فحرية التعبير، والحق في الحياة الخاصة، وحرية الاختيار، هي جميعها ضمانات أساسية ضد إعادة إنتاج السلطوية والتسلط.

تدبير الاختلاف يجب أن يقوم على الحوار والتربية والاحترام المتبادل

بل حتى في المعايير الدولية لحقوق الإنسان، يعتبر تقييد الحرية استثناء لا يُلجأ إليه إلا وفق شروط دقيقة: شرط الضرورة أي أن يكون التقييد ضروريا لتحقيق هدف مشروع، وشرط التناسب أي أن يكون القيد متناسبا مع الفعل أو السلوك موضوع النقاش، بحيث لا يتجاوز ما هو لازم ولا يتحول إلى وسيلة للردع أو القمع.
هذه المبادئ الراسخة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وفي الاجتهادات الحقوقية المقارنة، تؤكد أن الأصل هو الحرية، وأن أي تقييد لها لا بد أن يظل استثنائيا وضيقا.
أن ننخرط في الدفاع عن بعض القضايا لا يعني بالضرورة الاتفاق مع كل السلوكيات أو الخطابات المرتبطة بها، لكنه يعني الإيمان بأن الأصل هو الحرية، وأن تدبير الاختلاف يجب أن يقوم على الحوار والتربية والاحترام المتبادل. أما الاعتماد على العقاب والسجن والقمع، فلم ينتج عبر التاريخ سوى مزيد من التسلط والانغلاق، ولم يوقف الاحتجاج على “الحكرة”، ولم ينه الممارسات غير الإنسانية.

لذلك سأظل دائما ضد سلب الحرية عندما يتعلق الأمر بالاختلاف القيمي أو بالنقد والاحتجاج، لأن الحرية هي التي تحمي القيم، أما السلطوية فهي التي تفسدها وتعيد إنتاج الاستبداد جيلا بعد جيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى