
لماذا اختارت كندا «الأشياء التي تقتلها» للأوسكار 2026؟
أعلنت مؤسسة «تيلي فيلم» الكندية رسمياً اختيار فيلم “الأشياء التي تقتلها”(The Things You Kill) ليمثل كندا في فئة «أفضل فيلم دولي» ضمن جوائز الأوسكار لدورة 2026..
دفع القرار، بصوت السينما الكندية إلى دائرة نقاش ساخن، و لم تقتصر أصداؤه على السجالات التقليدية حول جودة العمل أو فرصه في السباق، بل أعاد فتح ملف تعريف «الفيلم الوطني» في عصر الإنتاجات العابرة للحدود والهوية المتعددة.
قصة فيلم تُقرأ من داخل الجرح
يدخلنا الفيلم في حياة “على” ، أستاذ جامعي تركي يعود مع زوجته إلى موطنه بعد سنوات غربة ليواجه أمراً بسيطاً ومروعاً في آن: والدة مريضة تحت رعاية والد مسنّ، تموت لاحقاً في حادث غامض، يوقظ في داخله شكوكا وتوترات دفينة —هل كان إهمال أبيه أو سوء معاملته سبباً؟— ويتصاعد التوتر عبر أزمات شخصية موازية: ضغط العمل، زواج يفقد بريقه، وعقم يثقل الروح. ليقرر “على” اللجوء إلى قطعة أرض منعزلة يملكها، يعين عليها عاملاً يدعى “رضا” ، فتتبدّل علاقة السيد والعامل تدريجياً إلى علاقة للسيطرة والعنف.. ما يُدخل «علي» في حلقة انتقام تبدو كأنها محاولة لمعاقبة ظل أو ذاكرة.
هذه الحكاية ليست مجرد دراما عائلية؛ هي تأمل مرير في الذكورة والذاكرة والطرق الوجيزة التي يقتل بها الإنسان أجزاءً من نفسه وهو يحاول الهرب من الماضي، يتحالف فيها الأداء وتقنيات السرد لتجسيد شخصية تتحول من ضحية إلى منفِّذ لعنفٍ مشابه لما هرب منه، ما يجعل المتلقي أمام مرايا أخلاقية وثقافية لا تهدأ..
من صنعه ولماذا أثار الجدل
الفيلم من إخراج المخرج الإيراني-الكندي “علي رضا خاتمي” ، الذي يحمل الجنسية الكندية إلى جانب أصوله الإيرانية، ويصنف من بين الأصوات الصاعدة في السينما المستقلة..
عُرض العمل لأول مرة في مهرجان صاندانس 2025 حيث نال إحدى الجوائز، ما منح العمل زخماً دولياً مبكراً، وبرز كمشروع إنتاجي دولي شارك في إنتاجه كل من كندا وتركيا وبولندا وفرنسا.
اختيار عمل ناطق بالتركية ليحمل اسم كندا على منصة الأوسكار أثار تساؤلات حول معنى الانتماء الوطني للسينما: هل يكفي التمويل أو جنسية المخرج أو مشاركة مؤسسة كندية ليصبح الفيلم «كندياً»؟
قواعد الأوسكار والتوسّع في مفهوم الوطنية
تؤكد قواعد أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة أن البلد المقدم للفيلم يجب أن يكون مرتبطاً بالإنتاج سواء عبر التمويل أو المشاركة في الإنتاج أو التوزيع، ولا تشترط اللغة أو مكان التصوير أن تكون مرتبطة بالبلد المقدم.
في حالة «الأشياء التي تقتلها» أكدت جهات كندية أن الفيلم تلقى دعماً من مؤسسات مثل تيلي فيلم، وأن مخرجه يحمل الجنسية الكندية، ما يجعل الفيلم مستوفياً معايير الترشيح الرسمية، لكن ما يبدو قانونياً صحيحاً لا يوقف الجدل الثقافي والسياسي: فالتعريف التقليدي للفيلم “الكندي” كان يرتكز تاريخياً على اللغة (الإنجليزية أو الفرنسية) وعلى تصوير واقعٍ محلي معيّن، أما اليوم فالتعريف يتسع ليشمل أعمالاً متعددة اللغات والجنسيات.
بين الانفتاح والمخاطرة: قراءة نقدية
اختيار تيلي فيلم يعكس بوضوح صورة كندا المعاصرة: دولة تتباهى بتعددها الثقافي، وتدفع بسياسة واضحة لإدماج صانعي سينما من خلفيات مهاجرة داخل فضاءها الإنتاجي..
من جهة، هذا التوسيع للمشروع الوطني يجعل من الصناعة الإبداعية مناخاً عالمياً قادراً على احتضان أصوات عابرة للحدود؛ ومن جهة أخرى، يطرح مخاطر: هل يصبح العلم الوطني مجرد علامة تضع على أعمال لا تعكس تجربة الجمهور الكندي في الداخل؟ وهل تفقد الهوية الوطنية للسينما عناصر تماهٍ الجمهور المحلي عندما تتباعد اللغة والمكان والمرجع الثقافي؟
النقاش ليس جديداً، وقد واجهته كندا سابقاً في ملفات ترشيحها الدولي؛ إذ شاركت على الدوام في سباق “أفضل فيلم دولي” بأعمال عدة مثل «تراجع الإمبراطورية الأميركية» (The Decline of the American Empire) 1968، و«حرائق» (Incendies) 2010، و«ساحرة الحرب» (War Witch) 2012.. لكن اختيار فيلم تركي اللسان من مخرج مهاجر يمثل تطوراً لافتاً في التشكيلة التي قدمت كندا سابقاً، وغالباً ما كانت الترشيحات القوية قادمة من كيبيك بالفرنسية.
ما ينتظر الفيلم في سباق الأوسكار؟
ستحدد الاستجابة العلمية للأكاديمية والجمهور الدولي إن كان هذا الاختيار سيمثل نجاحاً رمزياً واستراتيجياً لكندا أم مجرد تجربة لن تغير قواعد اللعبة.. فنجاح الفيلم في الوصول إلى القوائم النهائية أو الفوز سيمنح الرؤية الجديدة ثقلًا أكبر، وسيشجّع بدوره على مزيد من الترشيحات لشركات إنتاج كندية تشارك في أعمال بلغات وخلفيات متعدّدة، أما في حال لم يحصد تقديراً واسعاً، فقد يُعاد تفسير ما حدث كدليل على حدود إعادة تعريف الهوية السينمائية الوطنية، وأن الرابط بين العلم واللغة والمكان لا يزال قوياً لدى الجمهور والهيئات الاحتفائية.
سينما بلا حدود أم إسقاط علمٍ على إنتاجٍ متنقل؟
«الأشياء التي تقتلها» ليس مجرد ترشيحٍ سينمائي.. إنه اختبار لقناعة رسمية وثقافية حول ما يمكن أن تمثله «الهوية السينمائية» في زمن العولمة، سواء نجح الفيلم في الأوسكار أم لم ينجح، فإن النقاش الذي أثاره حول الحدود المتحرّكة للانتماء الفني والوطني سيبقى من أهم تأثيراته، وربما يكون بداية لمرحلة جديدة في خريطة السينما الكندية أكثر تنوعاً، و أكثر مشاركة، وربما أكثر إرباكاً لمن يطلبون إجابات سهلة عن سؤال «ما هو الفيلم الكندي؟».





