بالاتكاء على لوحة لبيكاسو عن المدينة الإسبانية التي قصفها النازيون..”غرنيكا غزة”، “طَهو” مسرحي مُبتكر لحكايات الإبادة!
16/07/2024
0
بقلم الصحافي من فلسطين: يزسف الشايب
بعد صمت تواصل أشهراً إزاء صدمة الفاجعة المتمثلة في حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، خرجت مجموعة من الشابات والشبّان، بعمل تركيب فني يتلبس شكل مسرحية تحت عنوان “غرنيكا غزة”، بالاتكاء على اللوحة الشهيرة لبيكاسو عن المدينة الإسبانية التي قصفها النازيون، والذي انعكس على شكل المسرحية، سينوغرافيّاً، لمن يدقق في تفاصيل ما وراءه، علاوة على اعتمادها على نص مسرحي حمل ذات عنوان المدينة الباسكية لفرناندو أرابال.
أعد النص الذي أخرجه الفنان الفلسطيني إميل سابا، كل من الكاتبة الأميركية نعومي والاس والفلسطيني إسماعيل الخالدي بالإنكليزية، وترجمته أليس يوسف، ليخرج كما عرض باللهجة الدارجة، خاصة تلك السائدة في القطاع، ليرصد شيئاً ممّا حدث ويحدث في الحرب التي يفوق واقعها مخيال أي كاتب، في أحدث إنتاجات مسرح عشتار، الذي احتضن، مساء أول من أمس، عرضه الأول في مقره بمدينة رام الله.
وفي تآلف بين المسرح بشكله التقليدي والفنون الأدائية الأخرى، وتقنيات الفيديو والبصريّات المتعددة، والتصميم الموسيقي، قدّم الفنانون تامر طافش، وديفيد طنوس، وساشا أصبح، وفادي مرّار، ونورسان قواسمة حكايات تعكس شيئاً من ماهية الحرب المتواصلة على القطاع، وانعكاساتها ليس فقط على سكان غزة، بل على الحجر، والشجر، والحيوانات، والبيئة برمّتها.
وتناول عمل “غرنيكا غزة” خمس حكايات، لخمس شخصيّات، تناوبت على الحديث بإسهاب تارة، وتقاسمته فيما بينها، متنقلة من حكاية لأخرى، بشكل متقطع تارات أخرى، ما جعل منها لوحة أقرب في تركيبتها الفنيّة لرائعة بيكاسو، وإن بروح فلسطينية.
تهبط الشاشات التي هي أقمشة بيضاء كأكفان من أعلى المسرح إلى دون أسفله، طوليّاً، وعرضيّاً، وما بين بين، تحتضن شخوصاً على قيد الحياة، أو كانوا، أو ينتظرون المغادرة إلى حيث عشرات الآلاف في قوائم الشهداء، في تقنية عكست رؤية إخراجية متطورة، وإبداعاً في المرئيات وتصميم الإضاءة للفنانة ياسمين عمري، وصناعة الفيديو للفنانة ندى الخواجا، وتصميم الصوت للفنان معتصم صيام، وغيرها من جوانب العمل المختلفة، الذي لو تم العمل على تكثيفه، لخرج نقيّاً من شوائب التكرار، ولما وقع وأوقع الحاضرين في فخّ الملل بعض الشيء، رغم أهميته.
ودارت حكايات العرض متعدد الأبعاد، أو التركيب الفني ذو الملامح المسرحية هذا، حول حكايات راكبة الأمواج التي تستشهد تحت الركام، فتتخيّل كما والدها، أنها باتت تركب أمواج الردم، وأخرى لآخر مربي نحل في غزة، بقي وخليّته الوحيدة، بعد أن طغى طنين “الزنّانة” الإسرائيلية القاتلة على أزيز مُنتِجات العسل، وقضى بقيّة رفاقه جرّاء الجرائم المتواصلة منذ أكثر من تسعة أشهر، أو أصيب بعضهم، أو تفرقوا بعيداً عن خلايا نحلهم الذي تفحّم، وعن منازلهم، وربّما عن عائلاتهم.
وكان لافتاً حكاية ذلك الشاب الناجي من تحت الركام بإبرة يخيط فيها جروح حيوانات القطاع، بل ويقوم بعمليات جراحية ذات بعد غرائبي، يعكس غرابة ما يعيشه في الحرب، حيث يتحول بيت السلحفاة الذي فقد صاحبته إلى حافر حصان، فيما تحلّ قدم بطة لم يطلها العطب في جسد قطة فقدت قدماً أو أكثر في القصف المتواصل، مؤكداً لشقيقه المُقاوم الخارج من برزخه، أنه والإبرة ينتميان لبعضهما البعض، قبل أن يتجمع الشخوص حول صوت نورس، يمنحهم الأمل بقادم قد يحمل ما هو أفضل، وإن كان الأفضل الآن أن تتوقف الحرب فوراً، رغم ويلات ما بعيدها وما بعدها.
غرنيكا بيكاسو
ويحمل العمل عنواناً فرعياً مفاده “رؤى من مركز الأرض”، أنه مستوحى من لوحة “غرنيكا” لبيكاسو، ويتتبع حكايات خمس شخصيات منفصلة ومتصلة في آن، خرجت من فرن الحرب الذي توقف عن إنتاج الخبز لجهة إنتاج جحيم تلو الآخر، والكثير من الهلوسات، التي شكلت تركيبة عمل يمكن وصفه بالمسرحي المُتجدّد، مُتناولاً تأثير حرب الإبادة الجماعية على الضحايا وشهودها، وتستكشف معاني الفقدان، والأمل، والصمود، وتجريد الفلسطينيين من إنسانيّتهم، مع الإصرار على وصفهم بـ”الحيوانات البشرية”.