الرئسيةسياسة

اتفاق زيادة أسعار السردين الصناعي: إنصاف للتجار أم عبء إضافي على المستهلك؟

تحرير: جيهان مشكور

في ظل أزمة القدرة الشرائية التي يواجهها المواطن المغربي، جاء الاتفاق الجديد بين الفاعلين في قطاع الصيد البحري ليطرح تساؤلات عديدة حول تداعياته الاقتصادية والاجتماعية.

 

الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين ممثلي مجهزي مراكب الصيد الساحلي وتجار السمك، يقضي برفع السعر المرجعي للسردين الصناعي بـ 25 سنتيماً للكيلوغرام، وهي زيادة قد تبدو ضئيلة عند النظر إليها بمعزل عن الواقع الاقتصادي، لكنها تحمل أبعاداً أعمق في سياق الوضعية المعيشية المتردية لشرائح واسعة من المجتمع.

اللافت في هذا الاتفاق أنه جاء بعد سلسلة من الاجتماعات والمفاوضات التي انطلقت من غرفة الصيد البحري الأطلسية الوسطى، مروراً بلقاءات مع المصنعين في أكادير، ثم اجتماعات موسعة ضمت المكتب الوطني للصيد ومسؤولين في وزارة الفلاحة والصيد البحرين ويوحي هذا المسار الطويل بأن القرار لم يكن عفوياً، بل كان مدفوعاً برغبة واضحة في إعادة توزيع الأرباح داخل المنظومة التجارية للسمك الصناعي، لكن من دون مراعاة التأثيرات المحتملة على المستهلك الذي يجد نفسه الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.

في هذا السياق، يعتبر مؤيدو الاتفاق خطوة منطقية لإنصاف تجار السمك، الذين كانوا يُنظر إليهم سابقاً كوسطاء دون اعتراف حقيقي بدورهم الأساسي في سلسلة التوزيع، فوفقاً للفاعل المهني أحمد إذ عبد المالك، فإن التجار هم الزبون الأول لمجهزي المراكب، وبالتالي فمن حقهم المطالبة بهامش ربح يعكس مجهوداتهم في توفير الأسماك للسوق، لكن في المقابل، يظل السؤال المطروح: إذا كان التجار والمجهزون يستفيدون من هذه الزيادة، فمن سيدفع الثمن في النهاية؟ هل سيتم تحميل المستهلك هذه الكلفة الإضافية، أم أن المصنعين سيتحملونها من هوامش أرباحهم؟

المصنعون، من جهتهم، لم يتقبلوا هذا الاتفاق بسهولة، إذ التزموا الصمت إلى حدود اللحظة، معبرين عن رفضهم لأي زيادة قد تؤثر على قدرتهم التنافسية في السوق الدولية، فهم يواجهون بالفعل تحديات كبيرة، أبرزها المنافسة الشرسة من الأسواق الآسيوية والأوروبية، حيث تفرض الأسعار المنخفضة والقيود الصارمة على الجودة ضغوطاً إضافية على الإنتاج المحلي، لهذا، فإن تحميلهم كلفة هذه الزيادة قد يدفع بعضهم إلى تقليص الإنتاج أو حتى البحث عن مصادر توريد بديلة، مما قد يؤثر على التوازن العام للقطاع.

في سياق ذاته، يبرز دور الدولة كفاعل محوري كان ينبغي أن يكون أكثر حضوراً في هذه المفاوضات، فبدلاً من الاكتفاء بدور الوسيط بين الأطراف المتنازعة، كان من الضروري تقديم رؤية واضحة حول كيفية حماية المستهلك من أي زيادات غير مبررة، فالدولة مطالبة اليوم بوضع سياسات واضحة لدعم القطاع، سواء من خلال تقديم تحفيزات للصيادين والمجهزين، أو عبر وضع آليات لضبط الأسعار حتى لا تتحول مثل هذه الاتفاقيات إلى عبء إضافي على الأسر المغربية.

فيما تمكن المفارقة الكبرى في هذا الملف في التوقيت.

فبينما يعاني المواطنون من تآكل قدرتهم الشرائية، خاصة في ظل موجة الغلاء التي طالت مختلف المنتجات الأساسية، يتم الإعلان عن زيادة جديدة قد تؤثر بشكل غير مباشر على أسعار السمك في الأسواق، حتى لو كان الهدف من الاتفاق هو تحقيق توازن بين مختلف الفاعلين داخل القطاع، فإنه يظل ناقصاً إذا لم يأخذ بعين الاعتبار التداعيات الاجتماعية والاقتصادية على المستهلك العادي.

الكرة الآن في ملعب المكتب الوطني للصيد، الذي سيكون مطالباً بتحديد كيفية تنفيذ هذا الاتفاق دون التسبب في اضطرابات داخل السوق.

كما أن المصنعين سيكون عليهم اتخاذ موقف واضح: إما القبول بهذه الزيادة وتحملها، أو الدخول في مواجهة جديدة قد تعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن تحقيق التوازن بين مصالح المهنيين وحماية القدرة الشرائية للمواطن، أم أن هذا الاتفاق سيظل مجرد حلقة أخرى في مسلسل التوترات التي يعيشها قطاع الصيد البحري في المغرب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى