الرئسيةرأي/ كرونيك

سعيد بنجبلي..نهاية رجل لم يعرف الهدوء

بقلم الصحافية هدى سحلي

النسبة للبعض، كان مجنونا أهبل، وبالنسبة للبعض الآخر باحثا عن الشهرة و”البوز” بكثرة خرجاته التواصلية المارقة عن تصور الجماعة، وهناك بعض ثالث يراه بعين قلبه ويسمعه بصوت روحه، فكان لهم شبيها بـ”المجذوب” وما يعنيه في مخيال المغربي من رجل مبارك زاهد وهائم فوق الأرض ينطق بما وراء المعنى، فتراهم يستقبلون تدويناته ولايفاته بكثير من الفرح وكأنهم في لحظة لمًة ينفثون فيها ما علق بأرواحهم من يأس وضغط. هو سعيد بنجبلي، “النبي” و”سيدنا قدر” كما وصف نفسه قبل أن يترجل عن صهوة الحياة

 

النشأة والبداية.. بين التقاليد والبحث عن المعنى

وُلد سعيد بنجبلي عام 1979 في قرية أولاد فرج بإقليم الجديدة، وسط بيئة تقليدية متشبعة بروح الدين والهوية المغربية العريقة. نشأ في كنف هذه القيم، لكنه لم يكن مجرد تابع صامت، بل كان دائم التساؤل، يبحث عن المعنى وراء كل شيء. التحق في شبابه بجماعة العدل والإحسان، مقتنعًا بفكرها، لكنه حتى داخل الجماعة كان صاحب فكر ناقد، لا يرضى بالمسلمات دون تمحيص.

نشأ بن جبلي في بيئة دينية متشددة تحت تأثير أستاذ سلفي في السابعة من عمره، مما ساهم في تشكيل توجهاته الفكرية المبكرة. في سن الخامسة عشر، انضم إلى جماعة العدل والإحسان، حيث بدأ التزامه الديني يصبح أكثر صرامة، وظل يشغل العديد من المناصب القيادية داخل الجماعة. كان يشرف على تنظيم الأنشطة الثقافية والرياضية داخل المؤسسات التعليمية ويؤدي دورًا بارزًا في تحفيز زملائه على الالتزام بالدين.

بعد أن حصل على شهادة البكالوريا في شعبة الهندسة الكيميائية بثانوية الرازي التقنية، وفي هذه المرحلة يقول بنجبلي في إحدى حواراته ” كنت قارئا نهما… وكان لدينا مسجد خاص به مكتبة غنية بالكتب الإسلامية المتنوعة… فانتخبني التلاميذ قيما على هذا المسجد، أشرف على مجلته الحائطية وبرنامج الدروس والمواعظ الأسبوعية وبرنامج الصيام الجماعي المنظم، بالإضافة إلى إيقاظ التلاميذ لصلاة الفجر. وتوفير خدمات للمصلين لما في ذلك حمام مزود بجهاز لتسخين المياه للوضوء والغسل”.

وبالرغم من توجهه العلمي، قرر بن جبلي التوجه لدراسة الشريعة الإسلامية في كلية الآداب، حيث بدأ يطور نفسه فكريًا وثقافيًا، ويكتسب مكانة قيادية أكبر في صفوف الجماعة. واصل تدرجه في المسؤوليات، حتى أصبح مسؤولًا عن قطاع الشباب داخل الدائرة السياسية للجماعة، بالإضافة إلى تنظيم الأنشطة الثقافية والتربوية.

وقبل حصوله على شهادة الإجازة في الدراسات الإسلامية كان قد حفظ القرآن كاملا، وحصل على تكوين جيد في الإعلاميات، فخصص بحث تخرجه لإمكانيات الذكاء الصناعي في تنقية الحديث وإعادة كتابة الأخبار الإسلامية.

لكن مع مرور الوقت، بدأ بن جبلي يشكك في العديد من الممارسات داخل جماعة العدل والإحسان – حيث قال في حوار سابق له- انه اكتشف العديد من التلاعبات والتناقضات بين أعضائها، و أصبح يلاحظ “المناورات بين القيادات، وتزوير التقارير، وتهميش الكفاءات، وهو ما دفعه إلى الابتعاد تدريجيًا عن الجماعة”. وفي نهاية المطاف، انفصل عن الجماعة بشكل كامل بعد اعتقاله في معركة طلابية ضد إصلاحات قانون التعليم.

الإعلام والحقوق.. ربيع 2011

 

لم يكن سعيد مجرد ناشط، بل كان رجلًا يؤمن بقوة الكلمة وقدرتها على التغيير، أسس مواقع إعلامية وشارك في إدارة منصات رقمية، جعلت صوته مسموعًا.

كان من أوائل الذين استغلوا الإعلام الرقمي في المغرب ليُحدثوا فرقًا، وبرز اسمه بقوة خلال السنوات التي سبقت “الربيع العربي”.

ومع انطلاق الحراك الشعبي في المغرب عام 2011، كان سعيد بنجبلي من أبرز الوجوه التي وقفت خلف حركة 20 فبراير، مطالبًا بالإصلاح والديمقراطية. كان مؤمنًا بأن التغيير ممكن، وبأن الشباب قادرون على رسم ملامح مغرب جديد. لم يكن مجرد متفرج أو مؤيد من بعيد، بل كان في قلب الأحداث، يكتب، ينشر، ويدافع عن مطالب الشباب، بنجبلي كان ناشطًا إعلاميًا وكتابًا منذ شبابه، وكتب في عدة مواقع إعلامية مثل “مغارب.كوم”. كما تم تصنيفه ضمن “المائة شخصية الذين يحركون المغرب” من قبل مجلة “إكسبريس” الفرنسية في عام 2010.

سعيد بنجبلي، التحول الفكري.. كسر القيود والانطلاق نحو المجهول

بعد سنوات من الانتماء لجماعة العدل والإحسان، وبعد مسيرة طويلة من النضال، بدأ سعيد بنجبلي رحلة جديدة أكثر جرأة وإثارة للجدل، أعلن تخليه عن الإيمان، وابتعد عن كل الأطر الفكرية التقليدية، مؤكدًا أنه لم يعد يرى الدين كما كان من قبل “قررت الابتعاد عن الفكر الإسلامي الأصولي واكتشاف آفاق جديدة، كنت دائمًا في حالة تطور فكري، أُعيد بناء مواقفي وأفكاري بين التقدمية والإسلام ” متأثرا بزيارته لأمريكا بدعوة من وزارة الخارجية في إطار برنامج الزائر الدولي للقيادات، مخصص للحوار بين الأديان، ليقرر بعدها العودة إلى الدراسة مضيفا إلى معارفه الإسلام والشريعة والقانون والإعلاميات، علم التاريخ.

الرحيل.. نهاية رجل لم يعرف الهدوء

وفي الثالث من أبريل 2025، غادرنا سعيد بنجبلي وهو بعيد عن وطنه، لكنه لم يرحل بصمت. ترك خلفه جدلًا لا يزال مستمرًا، ونقاشًا لا ينتهي حول مسيرته، مواقفه، وأفكاره. لم يكن شخصية تقليدية يمكن تصنيفها بسهولة، ولم يكن يومًا مستعدًا لأن يكون جزءًا من القطيع.

عاش حياته كما أراد، صاخبًا، جريئًا، مثيرًا للجدل، لكنه كان قبل كل شيء.. صادقًا مع نفسه حتى النهاية، حتى وهو يعاني من مرض “الثنائي القطبية” أو ما يُعرف أيضًا بالاكتئاب الهوسي، الذي يمر المصاب به بتقلبات حادة في المزاج بين فترات من الهوس المفرط تتبعها فترات من الاكتئاب الشديد، وفترات من المزاج الطبيعي.

وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهها نتيجة لهذا المرض، فإنه لم يتوقف عن الاستمرار في تساؤلاته، وفي إظهار تقلباته للعلن، بل تحدى الجميع بأن يكون صادقًا مع نفسه، حتى وإن كان ثمن ذلك العزلة، الانتقادات، أو حتى العداء. “أنا كنواجه المجتمع ديالي بالعيوب ديالي، بالنقائص ديالي، بالسنان العوجين ديالي، بالجبهة ديالي، باللهجة ديالي، باللغة ديالي”. كانت هذه فلسفته الجديدة، حيث لم يعد يعنيه أن يكون مفكرًا أو فيلسوفًا، بل كان يريد فقط أن يكون كما هو، بلا أقنعة ولا مجاملات.

كان سعيد بنجبلي بالنسبة للكثيرين رمزًا للحرية الفكرية والتغيير، أما بالنسبة للبعض الآخر، فقد كان مجرد مغامر لا يعرف الاستقرار. ومع ذلك، لم يكن لأحد أن ينكر أنه كان يمثل فكرًا غير تقليدي، وفلسفة حياة غير مألوفة، بين المسلمات والمجهول، بين الدين واللا دين، وبين الثبات والتغيير. هكذا عاش، وهكذا رحل، تاركًا وراءه حكاية مفتوحة، سطورها متشابكة، وأفكارها تتناثر كأشواك في طريق البحث المستمر عن الحقيقة.

وتاركا وراءه شعورا بالمحبة، التي قال عنها “النبي” جبران خليل جبران “إنَّ الْمَحبَّة منذ البدء لا تعرف عمقها إلا ساعة الفراق”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى