الرئسيةصحة

مع تفشي جدري القرود عالميا.. أفريقيا تعود إلى دائرة الضوء

أثار جدري القرود، الذي شغل أفريقيا لسنوات، أخيرا قلقا دوليا، بعد أقل من ثلاثة أشهر من انتشار الحالات في دول مثل بريطانيا، والولايات المتحدة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، السبت، رسميا، أن التفشي الحالي خارج المناطق الموبوءة التقليدية في أفريقيا قد تحولت بالفعل إلى حالة طوارئ صحية عامة تستدعي قلقا دوليا.

في أجزاء من وسط وغرب أفريقيا، تكرر حدوث فاشيات جدري القرود، منذ القرن الماضي، ودق علماء الأوبئة الأفارقة ناقوس الخطر، ولكن دائما ما تم تجاهلهم إلى حد كبير.

وقال خبراء إن جدري القرود يسلط الضوء على المرضى المنسيين في مناطق مثل أفريقيا.

— دفع ثمن الإهمال

وقال باحثون أفارقة إنهم دائما ما دأبوا، منذ فترة طويلة، على التحذير من احتمال انتشار فيروس جدري القرود، الذي أظهر سلوكا جديدا، على نطاق أوسع، حسبما ذكرت مجلة ((نيتشر)) في مقال نشر في يونيو.

ومنذ عام 1970، عندما تم تشخيص جدري القرود لأول مرة لدى البشر، تم الإبلاغ عن حالات في 11 بلدا أفريقيا، ومعظم الحالات في المناطق الريفية والغابات المطيرة في حوض الكونغو.

ويتزايد الإبلاغ عن حالات الإصابات لدى البشر من وسط وغرب أفريقيا.

وشهدت نيجيريا تفشيا كبيرا منذ عام 2017، مع تسجيل أكثر من 500 حالة مشتبه بها، وأكثر من 200 حالة مؤكدة، ونسبة إماتة لدى الحالات تبلغ نحو 3 في المائة، ولا يزال يتم الإبلاغ عن الحالات حتى اليوم، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.

وفقط بعد عام 2017، حذر العديد من علماء الأوبئة الأفارقة من أن الفيروس ينتشر “بطريقة غير مألوفة”: كان يظهر في المناطق الحضرية، وأحيانا يصيب أشخاصا يعانون من آفات تناسلية، مما يشير إلى أن الفيروس قد ينتشر من خلال الاتصال الجنسي، حسبما ذكر مقال مجلة ((نيتشر)).

وقال أديسولا ينكا أوغونلي، وهو عالم أوبئة في مركز مكافحة الأمراض في نيجيريا، إن “العالم يدفع ثمن عدم استجابته بشكل كاف” في عام 2017، مع انتشار الفيروس في الدول الغربية، من خلال ما يبدو بأنه مخالطة مع شركاء جنسيين.

وصرح جيسون ميرسر، أستاذ بيولوجيا خلايا الفيروسات في جامعة برمنغهام، الذي يدرس فيروسات الجدري على المستويين الجزيئي والبيولوجي الخلوي، لوكالة أنباء ((شينخوا))، “نحن كدول أوروبية ودول أمريكية لم نأخذه على محمل الجد حتى الآن، عندما بدأ، بالطبع، يؤثر علينا”.

وأضاف ميرسر أن “الحقيقة هي أن جدري القرود يمثل مشكلة خطيرة في الدول الأفريقية”، مشيرا إلى أنه على مدى العقود القليلة الماضية، شهدت أفريقيا زيادة هائلة في الإصابات الناجمة عن العدوى الحيوانية المنشأ أو العدوى البشرية.

— نقص الموارد الطبية في أفريقيا

وتتناقض استجابة أوروبا السريعة للتفشي الأخير بشكل حاد مع الوضع في أفريقيا، حيث يواصل المرض الانتشار لكن وسط معدلات تطعيم منخفضة ونظم صحية لا تزال ضعيفة.

وقال ميرسر إنه “من الواضح جدا أن عدم المساواة في اللقاحات بين أوروبا وأفريقيا يحدث مرة أخرى مع جدري القرود كما هو الحال مع كوفيد”.

وأفاد أن أوروبا وأمريكا لديهما مخزونات من اللقاحات لنشرها لإبطاء العدوى والحد من المراضة، لكن “في أفريقيا هذه اللقاحات ببساطة غير متوفرة”.

وقال مارتن دروري، مدير منظمة “هيلث بوفرتي أكشن” غير الحكومية ومقرها لندن، لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن “هناك عدم مساواة رهيبة في معدلات التطعيم”، حيث أن توزيع اللقاحات وتوافرها في جميع أنحاء العالم “غير عادلين بشكل لا يصدق”.

وإلى جانب اللقاحات، تفتقر مناطق كثيرة من العالم أيضا إلى أنظمة صحية قوية تعمل لتوزيعها، بحسب دروري. وأضاف أن “هناك حاجة أيضا إلى أنظمة لتتبع وتعقب الأشخاص المصابين بالعدوى والاستجابة بسرعة بهذه الطرق. وهناك الكثير من الأسباب التي تجعل النظم الصحية ضعيفة للغاية”.

وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، يوم الخميس، إنه “لسوء الحظ، لا تزال المعلومات التي تتبادلها البلدان في غرب ووسط أفريقيا مع منظمة الصحة العالمية ضئيلة للغاية”.

وأضاف أن “هذا العجز عن توصيف الوضع الوبائي في تلك المنطقة يمثل تحديا كبيرا لصياغة التدخلات للسيطرة على هذا المرض المهمل تاريخيا”.

— عدم المساواة الصحية

ذكرت منظمة الصحة العالمية أن عدد حالات الفاشية الحيوانية المنشأ في أفريقيا ارتفع بنسبة 63 في المائة في العقد من 2012 إلى 2022 مقارنة بالفترة من 2001 إلى 2011. وقال دروري إن بعض الأمراض في أفريقيا، من بينها جدري القرود والإيبولا، قد تم تجاهلها على مستوى العالم لسنوات عديدة، إلا أنه بمجرد أن تصبح تهديدا لأجزاء من العالم لديها المزيد من الموارد والثروات، يتم حشد الموارد فجأة للتعامل معها في تلك البلدان.

وأفاد أن “شاغلنا الأكبر على الإطلاق في هذا الصدد هو أننا سنواصل السماح للأنظمة الصحية في بعض أجزاء العالم بأن تكون أقوى بكثير مما هي عليه في مناطق أخرى تكاد تكون فيها معدومة”.

وأشار دروري إلى أنه يوجد في بريطانيا 12500 طبيب نفسي، في حين أن سيراليون لديها طبيبان نفسيان فقط؛ في الولايات المتحدة، يتم إنفاق حوالي 11 ألف دولار أمريكي كل عام للفرد الواحد على الرعاية الصحية، في حين أن الرقم في إثيوبيا هو 67 دولارا. وتساءل ميرسر، هل تستطيع أفريقيا التعامل مع هذه الأمراض بمفردها؟، “الجواب هو على الأرجح لا”.

تحتاج الدول الأوروبية والأمريكية إلى تقديم المساعدة ليس في المعدات فحسب، بل أيضا في المراقبة والاختبار والتشخيص، والتأكد من تدريب الناس بشكل كاف لتحديد المرض، وتوافر أنظمة الإبلاغ واللقاحات وكذلك مضادات الفيروسات.

وذكر ميرسر إن مساعدة البلدان المتخلفة تفيد أيضا البلدان المتقدمة نفسها، تماما كما هو الحال في جائحة كوفيد-19، إذا لم يتم تطعيم السكان الذين ليس لديهم مناعة، فسينتهي الأمر بالدول الأوروبية إلى إعادة استيراد المتغيرات.

وقال “هل نحن أنانيون فيما يتعلق بتوزيع اللقاحات ومعالجة الأمراض في البلدان المتخلفة؟ في الجوهر، نعم”.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى