الرئسيةرأي/ كرونيكسياسة

الشرقاوي على هامش وفاة لقدور اليوسفي..يساور المرءَ الأملُ أن تحضر الحكمة ويتم القطيعة مع الاعتقال بسبب الرأي

مما سيعزز تفاؤل الملك والمغاربة بأن “نركّز على نقط قوتنا” إصلاح منظومة العدالة والقطيعة النهائية مع الاعتقال السياسي وعودة سنوات الرصاص بشعار “الحاجة لأمننة المرحلة” وبالتالي استبدال سمعة المغرب عالميا من “بلد الاعتقالات” إلى “مغرب الحريات”

بقلم محمد الشرقاوي

نُ — فلا يُغرّ بطيب العيش إنسانُ قد تحتاج مقولة الشاعر الأندلسي أبي البقاء الرندي “لكُل شيءٍ إذا ما تم نُقصا” تحديثًا في المعنى وانفتاحًا على عنصر آخر مهم علاوة على تبدّل أحوال الدول والأفراد الأقوياء، هو عنصر النسبية وتجدد الأرقام القياسية في تسجيل بشاعة أعمالهم وتقلب قائمة الغرابة أو التطرف أو التفنن في أعمال الشر، على غرار تحديث كتاب گينيس للأرقام القياسية.

تصدر السيرة الذاتية لقدور اليوسفي في نسختيها العربية والانجليزية، فيلتقطها مخرجو هوليود لتصوير ما قد يتجاوز معاناة المحبوسين في سجن “ألكاتراز” الذي احتكر لقب السمعة السيئة القياسية، وحان الآن وقت تحيينه بالمعطيات الجديدة في مغرب الجمر والرصاص. يبدأ تصوير فيلم “قدّور في هوليود” في لوس أنجليس في أحياء شبيهة بالدار البيضاء، على غرار ما تمّ خلال إنجاز فيلم “كازابلانكا” داخل Rick’s Cafe عام 1943.

درب مولاي الشريف

لا يحتاج المخرج ابتكارَ منطلقاتٍ دراميةٍ إضافيةٍ، بقدر ما يركز العدسة فقط على وجه قدور، وحركات جسمه، وخطواته بين مكتبه وقاعة التعذيب، وكيف يجول ويصول بساديته النّهمة في التنكيل بمن لعنت الأقدار سنسبيل استحضارهم إلى أقبية سجن درب مولاي الشريف. ثم تنتقل الكاميرا معه إلى منزله الذي كان بمحاذاة السّجن، وهو إقامةٌ مجانيةٌ، لا إيجارَ ولا فواتيرَ ماء وكهربا وتلفون وحتى الغنيمة ممكنة من ميزانية الأكل المقررة للمعتقلين، باعتباره خادما من “خدّام الدولة”. وتصاحبه الكاميرا خلال ساعات نومه ويقظته، وكيف يقضي نهاره، ويستمدّ نشوته المسائية بخالصِ ما في القارورات وقويِّ ما في الملفوفات، قبل أن يعود في منتصف الليل إلى هواية اللّعب بسلك التيار الكهربائي الصاعق على الأجساد العارية والعيون المعصوبة للمعتقلين.

بعدسة الإطار الضيق tight zoom لالتقاط مزاج قدّوراليوسفي، ثمة فقرةٌ معبّرة جاءت في مقالة للكاتب المتمرّس عبد الرحيم التوراني، ويعتمد فيها بعض أدوات علم النفس السياسي، قائلا: “كان الجلاد قدور اليوسفي برتبة مدير للشرطة القضائية في الجهاز الأمني، ورئيسا للمعتقل السري الرهيب “درب مولاي الشريف”، بل إن مسكنه كان ملحقا فوق مبنى المعتقل، وكان مدمنا على استهلاك المخدرات والخمر، ولا يطرب وينتشي إلا بسماع أردء ما غنت شيخات العيطة من مباذل.

أما أفضل الأوقات لديه للانغمار في عمله الوحشي، فكانت بعد أن ينتصف الليل إلى مطلع الفجر… يا له من عابد متنسك زاهد يقيم الليل من آنائه إلى أطراف النهار. ونجح في مهمته حتى أصبح مرجعا لا يعلى عليه في مجاله، ولو كانت هناك درجة دكتوراه أو جوائز دولية في فنون التعذيب، لفاز بها قدور اليوسفي عن جدارة واستحقاق، طبعا باسم المغرب، الذي ستعلو حينها رايته خفاقة بين رايات الاستبداد.. فلم يكن اليوسفي فاتحا ورشة تعذيب يشتغل بها لحسابه الخاص…”

لا تحتاج الكاميرا أن تخرج إلى المدينة ولا الأماكن العامة، ولا متى تشعّ الشمس على وجه قدور لأنه كائنٌ ليليٌ بالصليقة، بل تبقى ضمن نطاق المساحة المحدودة الرمادية التي يدور فيها قدور خلال حياته الوظيفية بين ثلاثة سياقات إسمنتية ونفسية متداخلة: 1) قاعة التعذيب و2) المكتب و3) المنزل. هي ثلاثية السجن والسجّان في علاقة حميمية وفية لضيق الأفق ورابط الاحتماء النفسي بالمكان منغلق الأضلاع، حتى لا يبتعد عاشق التعذيب مكان التعذيب وقهر المعتقلين.

ويحتاج المرء بعض الخيال المتريث والتصوير البطيء لاستيعاب الغاية من وجود منزل الجلاد ضمن مساحة السجن. وقد نستأنس برأي الفيلسوف ميشيل فوكو في فهم نظام السجون والمؤسسات العقابية ككل، وكيف يعيد المكان إنتاج التركيبة النفسية والذهنية لدى السجان على مدار الساعات الأربع والعشرين. وهذا ما اعتمدته حكومة السيسي عند بناء مجمّع سجون وادي النّطرون العام الماضي. ودشنت وزارة الداخلية في القاهرة المجمّع بأغنية “فرصةٌ للحياة”. وقالت إن الغاية هي “تطوير منظومة التنفيذ العقابي وفقا لثوابت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي”.

يتم إنجاز الفيلم الجديد “قدّور في هوليود” ويحظى بإقبالٍ عالٍ في دور العرض في شتى القارات. وينتبه أساتذة وخبراء علم النفس السياسي في الجامعات والمصحات المتخصصة لأهمية ما تكشف عنه السيرة الذاتية لقدور اليوسفي في تدريس علم النفس السادي وتفكيك معضلة تمادي القوة باسم “مكافحة المعارضين” والدفاع عن “هيبة الدولة”. ويعلو إسم قدور إلى مصاف عظماء السادية في التاريخ بجانب جيل دوري Gilles de Rais أحد جنود ونبلاء فرنسا في القرن الخامس عشر والمشهور بعدة طقوس سادية ومنها تقبيل رأس ضحاياه بعد وفاتهم رهن التعذيب، وأيضا توماس ديطوركيمادا Tomás de Torquemada الذي كان يترأس محكمة التفتيش في إسبانيا بين 1483 و1498، وكان يُخضع الضحايا خلال إجبارهم على الاعتراف لعقوبات مروعة، بما فيها الخنق أو الشد وتعليق الأطراف على الرف. وتعرض آخرون وفق أوامره للإغراق بالمياه أو تمّ وضعهم في حالة تعذيب قاس بربطهم من معاصمهم حتى خلع أذرعهم.

تسرد الذكريات اليوم لضحايا قدرو في حقبة السبعينات في المغرب الكثير من أبشع ما قد يتخيّله المرء في تردي مستوى التعذيب والتلذذ بلاأخلاقيات السلوك السّادي. قبل قرنين، كان لفرنسا منظرّها في العنف وتعميق المعاناة والألم هو ماركي دوساد Marquis de Sade (1740-1814) الذي اشتقت قواميس علم النفس من إسمه مفهوم “السادية” في تكريس الإباحية وحتى الاعتداء على الضحايا بحشر مواد صلبه في شرجهم، وهو في ذلك غير مقيّد أو مبالٍ بالأخلاق أو الدين أو القانون. ومن أهم مؤلفاته المثيرة للجدل “مئة وعشرون يوما من حشر الشرج” The 120 Days of Sodom.

ويكتب التاريخ المعاصر أن لقدور اليوسفي الفضل في أن يتبوأ المغرب مكانة متقدمة في العالم في مجال تطوير مناهج التعذيب وسحق معنويات وأجساد المعتقلين. وبين الرجلين عدة خيوط متقاطعة في الدفع بآلية التعذيب إلى الأمام في وجه ما نادوا بخطاب “إلى الأمام”. وفي المجمل، ترتبط السادية والاعتلال النفسي بسمات أخرى مثل النرجسية والميكافيلية. وفي علم النفس، تسمى هذه السمات مجتمعة بـ “العامل المظلم في الشخصية ” Dark factor of personality أو أختصارا D-factor. ومن أجل الاعتراف بالجميل “الوطني”، تقيم إدارة السجون في الرباط نصبا تذكاريا لمثل الشخصية “الوطنية” وقدوة “الإخلاص المفرط” في تخليد ذكرى رجل من الرجال البررة وأحد خدّام الدولة الخلّص الأوفياء.

لا يمعن المرء في لغة التراجيديا السوداء بقدر ما ينبغي أن يمثل غياب قدور اليوسفي لحظة تأمل وتقييم لما تسكت عنه إدارة السجون والنيابة العام ووزارة العدل ومنظومة الحكم بشأن واقع الاعتقالات والمحاكمات السياسية، والمغزى من وجود مدرسة مغربية في التعذيب وعبثية شهرة الإبداع المغربي في “تقنية القارورات الزجاجية”. ولا ينبغي أن يرتبط إسم المغرب بهذه السادية بعد وفاة من أسسوا لها منذ الستينات. وكما يقول المثل الشهير “لم يفت الأوان بعد لفعل الخير”، يكون من الأجدى استئناف خط الإصلاح الذي استهله الملك محمد السادس في بداية حكمه عام 1999 بفلسفة الإنصاف وتصحيح خطايا الماضي.

قال الملك في خطابه قبل يومين “إن التزامنا بالنّهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لا يعادله إلا حرصنا المتواصل، على معالجة أولويات المغرب، على الصعيدين الجهوي والدولي.”

هي عبارة تذكّر بخطابات بدايات العهد الجديد، ويترقب الرأي العام المغربي والدولي أن تعيد الرباط النظر في سجلها في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير واعتقال أصحاب الرأي.

ومما سيعزز تفاؤل الملك والمغاربة بأن “نركّز على نقط قوتنا”، إصلاح منظومة العدالة، والقطيعة النهائية مع الاعتقال السياسي وعودة سنوات الرصاص بشعار “الحاجة لأمننة المرحلة”، وبالتالي استبدال سمعة المغرب عالميا من “بلد الاعتقالات” إلى “مغرب الحريات”. وكلما تغير الانبطاع الدولي لمغرب الحريات، يتحسن مستوى الثقة في مؤسساته، وتتحرك الاستثمارات والمشروعات والشراكات مع الحكومات والشركات متعددة الجنسيات.

يساور المرءَ الأملُ في أن تحضر لحظة حكمة وشهامة جديدة، فينتهي الجفاء وتنكسر القيود وتنفتح الأبواب الحديدية الموصدة. ويستأنف العهد المتجدد برنامج المصالحة بفتح الطريق أمام ناصر الزفزافي وبقية معتقلي الريف، وتوفيق بوعشرين، وسليمان الريسوني، وعمر الراضي، وسعيدة العلمي، وبقية المغييبين لعناق أمهاتهم ووزجاتهم وذويهم. وليرحم الله أرواحَ المختفين منذ سنوات الرصاص، ويلهم الأحياء مزيدا من عزيمة الصبر والنسيان والإرادة المتجددة للحياة.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى