الرئسيةرأي/ كرونيك

كاتب وناشط حقوقي مصري يكتب: أيام في طنجة

عمرو حمزاوي كاتب وباحث مصري

قضيت الأيام القليلة الماضية في مدينة طنجة المغربية حيث تلتقي الشواطئ العربية المطلة على البحر الأبيض المتوسط في شمال إفريقيا مع المحيط الأطلسي الذي كان العرب يسمونه قبل عصر الكشوفات الجغرافية في القرن الخامس والسادس عشر ببحر الظلمات.

طنجة، ملتقى البحرين كما يسميها أهلها الذين يباهون عن حق بسحر طبيعتها وجمال مبانيها، هي النقطة الأقصى إلى الغرب في شواطئ العرب المتوسطية والتي تمتد منها في اتجاه الشرق لتمر بكل بلدان شمال إفريقيا وتتجاوزها نحو الشواطئ الفلسطينية واللبنانية والسورية في غرب آسيا ومن العمق الجغرافي لبلدان الهلال الخصيب تنفتح جغرافيا العرب على المشرق وشبه الجزيرة لتحيط بالبحر الأحمر على شاطئه الآسيوي حيث الأردن والسعودية واليمن وتقابل مصر والسودان على الشاطئ الإفريقي ولتواصل رحلتها لتصل إلى شواطئ الخليج حيث تمتد بلداننا بين بحر عمان وشط العرب.

قضيت الأيام الماضية عند ملتقى البحرين مشاركا في أعمال مؤتمر عن فرص وتحديات الانتقال العادل نحو الطاقة المتجددة في شمال إفريقيا وأستفدت كثيرا من جلساته المتميزة ومناقشاته الثرية.

طنجة : مؤتمر دولي يبحث معالم “الانتقال الطاقي العادل” ببلدان شمال إفريقيا

غير إنني، شعورا وفكرا، تأثرت بشدة بالكثير الذي دار على هوامش المؤتمر وصار يلح علي لإعادة النظر في مسألة الهوية العربية وحدود حضورها في واقعنا المعاصر كهوية قومية جامعة لا تعدم لا الخبرات التاريخية المشتركة ولا وعاء اللغة والثقافة الحامل لها وتفرض نفسها في وعي عام وتفضيل شعبي للتواصل والتقارب والاهتمام بقضايا بلداننا الكبرى كفرص التقدم والتنمية المستدامة والديمقراطية، والتحرر من التبعية للقوى العظمى، ومقاومة نظام الاحتلال والاستيطان والفصل العنصري الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وحماية الدولة الوطنية من أخطار الانهيار التي تلاحقها في العديد من المواقع العربية.

فقد تعاقبت منذ وصولي إلى طنجة مشاهد صريحة في دلالتها على الانتماء العروبي لأهلها وارتباطهم بقضاياه من المحيط إلى الخليج. خرجت من مطار «ابن بطوطة» الدولي، لأجد مجموعة من راكبي الدراجات الهوائية يحملون أعلام فلسطين ويجولون بها الشوارع في صمت. وفي الطريق بين المطار وقلب المدينة، تكرر ذات المشهد أكثر من مرة وأضيفت إلى أعلام فلسطين لافتات تطالب باستقلالها وحقوق شعبها.

شغلت فلسطين وحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة حيزا واسعا في أحاديث مسائي الأول والذي أخذني إلى المدينة القديمة حيث ناقش أصدقاء وزملاء أسباب التواطؤ الأمريكي والأوروبي مع الدولة العبرية، وفرص تغيير الإدارة الأمريكية والحكومات الأوروبية لسياساتها مع تنامي الاحتجاجات الطلابية والشعبية ضد الحرب، وحدود التضامن العربي مع فلسطين إن إنسانيا من بوابة المساعدات أو سياسيا من خلال المطالبة بإنهاء الحرب ووضع حد للجرائم المرتكبة بحق المدنيين أو توعويا بنشر الحقائق عن الاحتلال والاستيطان والفصل العنصري الممارس في الأراضي المحتلة منذ عقود وتمكين الأغلبيات العربية الشابة من توظيف طاقاتها في التواصل على امتداد بلداننا وخارجها بغية نزع المصداقية عن الرواية الصهيونية. ثم انتقلت أحاديث المساء الأول من فلسطين وهمومها إلى مسألة طرحها أصدقاء مغاربة وتعلقت بالامتداد المعرفي والفكري والثقافي للعرب بين المحيط والخليج وأثره في بناء الوعي المشترك.

ما يجمعنا بين المحيط والخليج كثير، ولا يتناقض مع بقاء الدول الوطنية في حدودها، ولا ينبغي أبدا اختزاله في أفكار دولة واحدة أو اتحادات متجاوزة للحدود القطرية تجاوزها الزمن

توالت الإشارات إلى تداول كتابات وإبداعات أهل المغرب العربي في حوض النيل والمشرق والجزيرة والخليج وإلى التداول العكسي المستمر إلى اليوم. ولتقديم مثال حي تتجاوز حدوده النخب المتعلمة في اتجاه قطاعات سكانية أوسع، أكد البعض على أن المعروض الدرامي المصري خلال شهر رمضان الماضي استحوذ على متابعة شعبية واسعة في المغرب وكان، خاصة مسلسل «الحشاشين» الذي قدم معالجة فنية لنشأة وممارسات تلك الفرقة في بدايات القرون الوسطى في العالم الإسلامي، محل إعجاب. أشار البعض الآخر إلى حقيقة أن الإنتاج الروائي للكتاب المغاربة يحظى بقبول واسع في البلاد العربية الأخرى، وقدمت في هذا الصدد رواية «الخبز الحافي» للكاتب الطنجاوي الأشهر محمد شكري كحالة دالة.

على هامش أعمال مؤتمر الانتقال العادل نحو الطاقة المتجددة في شمال إفريقيا والذي نظمه مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة بالتعاون مع برنامج الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي وأدير الجزء الأكبر من جلساته باللغة العربية التي تفوقت على اللغتين الإنكليزية والفرنسية كأداة تواصل بين المتحدثين والمشاركين، على هامش أعمال المؤتمر دارت حوارات كثيرة حول حدود توظيف العربية في الكتابات الأكاديمية شارك بها أيضا باحثون وطلاب متخصصون في قضايا البيئة والطاقة من جامعة عبد الملك السعدي بمدينة تطوان. وقد كان مناط التوافق العام هو ضرورة توسيع مجالات استخدام اللغة العربية لكي نتوقف في بلداننا عن مجرد مخاطبة الآخر الغربي بلغته (الإنكليزية والفرنسية) وندعم صياغة خطاب وحوار عربي-عربي حول قضايانا الحيوية ومن بينها تحديات التغير المناخي والتحول الطاقي على امتداد المنطقة من المحيط إلى الخليج.


على هامش أعمال المؤتمر أيضا، أعد فريق المرصد بطنجة جولة للمشاركين في المدينة القديمة وعند ملتقى البحرين وكان أهم ما ميزها، بعد جمال المكان والعمارة والطبيعة، هو المعلومات التاريخية التي قدمت ودللت على حضور وعي عام بالانتماء العروبي تاريخيا ولغة وثقافة وهما مشتركا. قاد الجولة في المدينة القديمة متخصص في تاريخ طنجة التي مثلت بوتقة لانصهار العرب والأمازيغ ثم لانصهارهم مع الموريسكيين الذين قدموها بعد سقوط الأندلس وطرد الممالك المسيحية للمسلمين واليهود من سكان شبه الجزيرة الإيبيرية، وقدم عديد الأمثلة على ارتباط تاريخ المدينة بالفتوحات الإسلامية وبالتطور المعماري والعلمي والفكري الذي شهدته العصور الوسطى الإسلامية وكذلك بحركات الهجرة المستمرة بين أرجاء بلاد العرب والمسلمين والتي أسست لتواصل مجتمعي لم ينقطع أبدا.

ثم كانت الإحالات إلى التاريخ الحديث والمعاصر للمغرب ودور طنجة فيه وفي مسألة الاستقلال الوطني مفتاحا للربط بين حركة التحرر في البقعة الأقصى إلى الغرب من العالم العربي وبين حركات التحرر في بلدان شمال إفريقيا الأخرى وبلدان حوض النيل والمشرق والجزيرة والخليج. وفي الجولة عند ملتقى البحرين، وهي بقعة ساحرة من الأرض تشجع على استدعاء الماضي العظيم للحضارة العربية الإسلامية التي أنارت العصور الوسطى وعلى تذكر رموزه الكبرى، لفتت نظري الإشارات المتكررة للأصدقاء الطنجاويين إلى المدن المغربية المحتلة، سبتة ومليلة، واستخدامهم لخطاب عروبي يضع الاحتلال الإسباني للمدينتين في ذات سياق الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وللأراضي السورية في الجولان وللأراضي اللبنانية في مزارع شبعا ويربط بين المستمر من قضايا التحرر الوطني على امتداد بلاد العرب ويستنهض همم الشعوب والحكومات لانتزاع الحقوق العربية.


لم تكن تلك فقط هي المشاهد التي شغلتني شعورا وفكرا خلال زيارتي لطنجة، بل توالت أيضا اللحظات العفوية الدالة على مدى عمق الارتباط بيننا كشعوب عربية يجمعها وعي مشترك تحمله عناصر التاريخ واللغة والثقافة التي صمدت في مواجهة قرون من محاولات الآخر الغربي وعقود من محاولات الآخر الصهيوني تفكيكها والترويج الزائف لتهافتها.

ما يجمعنا بين المحيط والخليج كثير، ولا يتناقض مع بقاء الدول الوطنية في حدودها، ولا ينبغي أبدا اختزاله في أفكار دولة واحدة أو اتحادات متجاوزة للحدود القطرية تجاوزها الزمن. بل مناط الأمر هنا هو إطلاق الوعي والتضامن ومساحات العمل المشترك بين الحكومات والمجتمعات المدنية والشعوب لصون الانتماء العروبي وترجمته إلى فعل تحرر يستنهض الهمم لتحرير فلسطين وكافة الأراضي العربية المحتلة.
المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى