
خلقت دعوة الملك محمد السادس المغاربة إلى عدم ذبح الأضاحي في عيد الأضحى المقبل تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، في ظل انخفاض أعداد المواشي في البلاد بنسبة 38% عن الأعوام السابقة.
أكد الملك في رسالته إن “أضحية عيد الأضحى سنة مؤكدة مع الاستطاعة، والقيام بها في هذه الظروف الصعبة سيُلحق ضررا محققا بفئات كبيرة من أبناء شعبنا، لا سيما ذوي الدخل المحدود”.
أقدمت القناة الأولى على بث رسالة الملك إلى المغاربة، التي تلاها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، وجاء فيها “إننا نهيب بشعبنا العزيز إلى عدم القيام بشعيرة أضحية العيد لهذه السنة. وسنقوم إن شاء الله تعالى بذبح الأضحية نيابة عن شعبنا”.
بدورها قالت وكالة الأنباء المغربية أن قرار الملك يأتي بعد مطالبات شعبية بإلغاء ذبح الأضاحي هذا العام، بسبب الجفاف الذي تشهده المملكة للعام السابع على التوالي، والذي يُسهم في غلاء الأضاحي.
عموما يمكن القول، إن المواطنين المغاربة الفقراء ودوي الدخل المحود بل وحتى المتوسط، رحبوا بقرار الملك محمد السادس، وجاء ذلك في مئات التدوينات على منصات التواصل الاجتماعي معبرين عن تقديرهم لهذا القرار الذي يعكس تفاعلا موضوعيا مع الأوضاع الصعبة التي تواجهها الكثير من الأسر، خصوصا في ظل تراجع أعداد القطيع الوطني وتداعيات الجفاف التي أثرت على الكثير من المناطق.
يذكر في هذا الصدد، أن متوسط سعر الكبش الواحد في المغرب بموسم شراء الأضاحي يبغ ما بين بين 4 آلاف و7 آلاف درهم، وأن تعدد الوسطاء، وتنامي زاهرة الشناقة، جعلت جل المغاربة في العيد السابق، ضحايا جنون الأسعار.
وصرح محمد بودن، رئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية والمؤسساتية، لصحيفة ” العرب اللندنية”، أن القرار يتأسس على صلاحيات الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين طبقا لنص الدستور وروحه، وهو قرار مدروس ومحكم من حيث التوقيت وسعة النظر والغايات وتحليل الظرفية والمرتكزات الواقعية والشرعية والنهج التواصلي، مع الإبقاء على العيد الكبير كاملا بجميع مظاهره وسننه باستثناء ذبح الأضحية”.
وأضاف بودن في التصريح ذاته، لـ”العرب” أن “الرسالة تأتي في سياق لا يخفى على أحد يتعلق بأكثر من سبع سنوات من الجفاف الحاد الذي كان موضوعا مطبوعا بالأولوية في مختلف جلسات العمل والخطب الملكية الأخيرة، فضلا عن الظرفية الاقتصادية،”.
وأشار المتحدث ذاته، أن الرسالة تختزن اهتماما بمصلحة المزارع والتاجر وتتضمن عطفا على الفئات ذات الدخل المحدود.
بدوره اعتبر، يوسف الولجة، نائب الكاتب العام لبائعي اللحوم الحمراء بالتقسيط في جهة الدار البيضاء – سطات، إن القرار ستكون له عدة انعكاسات إيجابية، وخاصة منها انخفاض أسعار المواشي واللحوم الحمراء، بعدما عرفت أسواق المواشي صباح الخميس انخفاضا بنسبة 40 في المئة.
بهذا الصدد، كان وزير الفلاحة، أحمد البواري أكد في مطلع فبراير الجاري أن قطعان الأبقار والأغنام في المغرب تراجعت بواقع 38 في المئة، مقارنة مع آخر إحصاء أجري قبل تسع سنوات، بسبب موجات الجفاف المتتالية.
اعتبر الصحافي عبدالله ترابي أن هذا سيخفف العبء على الشعب المغربي الذي يعاني منه كل عام، غير أنه سيعود أيضا بالنفع على المضاربين والسماسرة، حيث صرح انه: “متأكد بأن عدداً كبيراً من المغاربة ارتاحوا في داخلهم لقرار عدم إقامة شعيرة الأضحية، رغم تعلقهم الديني والاجتماعي والعائلي بها. السنة الماضيةٍ، كان العيد عبئا على كاهل جزء كبير من المواطنين، وكان عيداً و “وزيعة ” للمضاربين والشناقة”.
وإذ يتبين أن دعوة الملك تأتي استجابة لمطالب عديدة جاءت ضمن حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث طالب فيها البعض بإلغاء شعيرة ذبح الأضاحي في عيد الأضحى، بسبب الأعباء الاقتصادية وأهمية الحفاظ على الثروة الحيوانية من بين أسباب عديدة أخرى.
هذا ويشار أن نسبة هطول الأمطار هذا العام انخفظت ب 53 بالمئة مقارنة بمتوسط السنوات الثلاثين الماضية، وهو ما تسبب في عجز بمراعي تغذية الماشية.
في السياق ذاته، تراجع إنتاج اللحوم، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار في السوق المحلية وزيادة واردات الماشية والأغنام الحية واللحوم الحمراء.
أقدمت الحكومة مؤخرا على إبرام صفقة لاستيراد ما يصل إلى 100 ألف رأس من الأغنام من أستراليا.
ورد في ميزانية 2025، تعليق المغرب رسوم الاستيراد وضريبة القيمة المضافة على الماشية والأغنام والإبل واللحوم الحمراء للحفاظ على استقرار الأسعار في السوق المحلية، ورغم من مثل هكذا إجراءات في وقت سابق، لم يكن لها تأثير بل إن غالبيتها استفاد منها المحتكرين، الذي قدرهم وزير الفلاحة ب18 شخصا يتحكمون في السوق، وتصل أرباحهم لأكثر من 40 درهم في الكيلو الواحد من اللم.
يدعى أن المغرب بلد “فِلاحي بامتياز”، إذ حسب هذا التقدير، يرجى هذا الوصف إلى توفر المغرب على حوالي 8.7 مليون هكتاراً كمساحات صالحة للزراعة، تتوزع على قطاعات متعددة تشمل الخواص والمستثمرين وأراضي الدولة والأراضي الجماعية، لكن الواقع، أن البلد تعيش على أزمة غذاء حادة، والمغاربة – عموماً – لا يجوعون، لكنه مهدد في أمنه الغذائي ولا يحقق اكتفاءً ذاتياً في المواد الأساسية مثل الحبوب والسكر والزيت واللحوم وأساس منها الماشية والأبقار وغيرها من المواد التي تصنع “كوفة” أغلب المغاربة.
يؤكد متخصصون، أنه بإمكان المغرب أن يحقق تكتفاء ذاتياً من حاجياته من المواد الأساسية، عبر تشجيع الزراعات البورية والمعاشية، غير أن اختيار كهذا يصطدم بإشكالات في هيكلتها وتنظيمها وتوثيق أراضي هذه الزراعات، إذ معظم هذه الأراضي مفتت ومجزأة أو مهملة من أصحابها بسبب مشاكل عائلية كالإرث و تقسيمها وفقاً لنسق الأعراف القبلية.
إن التحدي الأكبر أمام فلاحة المغرب هي مدى امتلاكه للسيادة الغذائية دون تبعية، وهو ما يظهر معه حالياً أنه لا يبدو ممكناً في الأفق المنظور، فإملاءات المؤسسات المالية الدولية واشتراطات الاتفاقيات مع الشركاء الأجانب ستكون لها كلمتها على مدى سنوات قادمة.
وحدها الإرادة السياسية للدولة يمكنها تغيير مجرى هذا الوضع، إذا ما قررت أن تضمن لمواطنيها سلة غذائهم – أولاً – قبل تلبية متطلبات السوق الأوروبية.. تمثلا للمثل الشعبي المغربي: “خيرنا ما يديه غيرنا”!