الرئسيةرأي/ كرونيك

عودة توضيحية على هامش الضجة الإعلامية التي دشنتها لوموند الفرنسية

بقلم عبدالرحمان الغندور
في خضمّ الموجة الأخيرة من الهجومات التي يتعرض لها المغرب، ولا سيما المؤسسة الملكية، كما تجلت في بعض التقارير الإعلامية، ومن بينها ما تنشره “لوموند” الفرنسية، يبرز سؤال جوهري حول ماهية الدفاع الحقيقي عن الوطن.
ليس الردّ الفعّال هو ذلك الصادر عن الأصوات المتزلفة، أو المقالات المأجورة التي تفتقر إلى المصداقية ولا تجد آذاناً صاغية لدى جمهور واعٍ. فمثل هذه الردود، التي يمكن وصفها بـ”التعياشت”، تبقى سطحية وعاجزة عن مواجهة جوهر النقد، بل وقد تؤدي إلى نتائج عكسية بتكريس الصورة النمطية التي يسعى المنتقدون إلى ترسيخها.
الهدف المركزي لهذه الهجومات، في غالب الأحيان، ليس مجرد نقد سياسة أو موقف عابر، بل هو استهداف عنصر القوة والنظام في الكيان السياسي المغربي، ألا وهو المؤسسة الملكية. تُصوّر هذه الهجومات المؤسسة الملكية، التي تشكل قطب الرحى ومركز الثقل في النظام، كمصدر للضعف والاستبداد، ساعيةً إلى تقويض شرعيتها في أعين العالم والمواطن المغربي على حد سواء. وهذا التوجّه يستدعي، بطبيعة الحال، وقفة تأمل عميقة.

الدفاع الحقيقي والأصيل عن المغرب وعن مؤسساته لا يتم عبر حملات التلميع الإعلامي الزائف

إن حقيقة كون المؤسسة الملكية هي المحور الأساسي المستهدف تضع على كاهلها، بشكل طبيعي، مسؤولية تاريخية وجسيمة.
فضعف الجبهة الداخلية وهشاشتها، التي تتيح المجال لمثل هذه الهجومات لتصيب هدفها، هو أمر لا يمكن فصله عن مسارتها في تحمل أعباء الحكم وقيادة الدولة.
وبالتالي، فإن الدفاع الحقيقي والأصيل عن المغرب وعن مؤسساته لا يتم عبر حملات التلميع الإعلامي الزائف، التي يقودها متملقون ومستكتبون بأجر، فهذه لا تُنتج سوى خطاب أجوف ومكشوف. الحل الجذري يكمن في العمل الدؤوب والجاد من أجل بناء جبهة داخلية صلبة ومتماسكة.
بناء هذه الجبهة يتطلب شجاعة سياسية غير مسبوقة وإرادة إصلاحية حقيقية لا مواربة فيها. يجب أن تتحول هذه الإرادة إلى إجراءات ملموسة تبدأ بإصلاحات دستورية وسياسية عميقة، تعيد هيكلة العلاقة بين الدولة والمواطن على أسس جديدة تقوم على المشاركة الفعلية والمساءلة.

محاربة الفساد ليست شعارات بل معركة وجودية

كما أن محاربة الفساد لا يمكن أن تكون شعارات ترفع في المناسبات فقط، بل يجب أن تكون معركة وجودية تشمل الجميع من أعلى الهرم إلى قاعدته، دون استثناء أو محاباة. ومحاكمة ناهبي المال العام واسترداد الأموال المنهوبة ليس مجرد عملية تقنية، بل هو رسالة قوية تثبت أن العدالة لا تحابي أحداً، وأن الدولة جادة في تطهير حياتها العامة.
وفي هذا الإطار، يبرز دور القضاء كحجر زاوية في استعادة ثقة المواطنين. فاستقلالية القضاء ليست ترفاً فقهياً، بل هي شرط أساسي لتحقيق العدالة والإنصاف، بجعل مؤسسة القضاء فعلا ملاذاً لكل من ظُلم أو انتهكت حقوقه.
إلى جانب ذلك، لا يمكن الحديث عن جبهة داخلية قوية في ظلّ غياب عدالة اجتماعية حقيقية. وذلك يفرض وضع وتنفيذ برامج اجتماعية طموحة تضمن التوزيع العادل للثروة، وتحقق الكرامة والعيش الكريم للمواطنات والمواطنين، مما يسدّ الذرائع التي تتغذى منها الخطابات المشككة والمهاجمة.

الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي وسنّ تشريعات راسخة تحمي حرية التعبير والرأي

ولا يمكن لأي من هذه الإصلاحات أن تنجح في مناخ من القمع والاختناق. إن انفراجاً حقيقياً في مجال حقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها عالمياً، هو الشرط الأساسي لأي مصالحة وطنية حقيقية.
وهذا يمرّ حتماً بالإفراج عن كل المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وسنّ تشريعات راسخة تحمي حرية التعبير والرأي والكرامة الإنسانية، وتصونها من أي انتهاك.
ختاماً، لن تكون الكتابات المدفوعة الأجر ولا خطابات “التعياشت” هي من يحمي المغرب من عواصف النقد الموجه أو المخاطر المحدقة. الحصن الحصين الوحيد هو تلك الجبهة الداخلية المتماسكة، المبنية على إصلاحات سياسية وجرأة اقتصادية واجتماعية، والقائمة على عدالة حقيقية وتوزيع عادل للثروة.
هذه الإصلاحات الجريئة هي القادرة على إعادة بناء جسور الثقة بين الدولة والمواطن، وهي وحدها الكفيلة بتعزيز مناعة الوطن ضد كل الهجومات، والحفاظ على مؤسساته، بما فيها المؤسسة الملكية، قوية ومحترمة. إنها معركة بناء وليس معركة ردود أفعال، معركة إرادة وليس معركة خطابات.

فلمعان صورة الملك والملكية يكمن في لمعان صورة المواطن والوطن

 

اقرأ أيضا…

رأي في جدل على هامش” اللغط ” الذي سببته منشورات لوموند الفرنسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى