الرئسيةمجتمع

كيف حوّل التأمين الإجباري المرض إلى سوقٍ تنتج ذهبا؟

تحرير: جيهان مشكور

لم يكن توسيع التأمين الإجباري عن المرض خطوة اجتماعية فحسب؛ بل كان الشرارة التي أعادت ترتيب اقتصاد الصحة في المغرب من جذوره.

فبينما احتفت الدولة بدخول ملايين المواطنين إلى منظومة التغطية الصحية، كانت مجموعات القطاع الخاص تعيد ضبط بوصلتها المالية على وقع هذا التحول غير المسبوق.

وفي قلب المشهد، تقف “أكديطال” كلاعب لم يعد يكتفي بالمنافسة، بل يقترب من تشكيل ملامح السوق برمتها، بعدما تحوّل تدفق المرضى المموَّل بمال عمومي إلى أحد أهم مصادر أرباحها. هنا، حيث يتقاطع منطق الحماية الاجتماعية مع منطق السوق، يبدأ السؤال الأكثر إلحاحاً: من يستفيد فعلاً من التغطية الصحية الشاملة… المواطن أم السوق؟

حين تتحول الحماية الاجتماعية إلى رافعة مالية

رفع التوسيع السريع لنظام التأمين الإجباري عدد المستفيدين إلى حوالي 25 مليون مغربي مع نهاية 2024، بعد أن كان الرقم في حدود 8 ملايين فقط قبل ثلاث سنوات..، أعاد هذا التحول الديمغرافي الصحي تشكيل السوق بأكملها، فقد أظهر التحليل الصادر عن مركز “بي إم سي إي كابيتال غلوبال ريسرش” أن 67% من رقم معاملات “أكديطال” خلال النصف الأول من 2025 جاءت من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إضافة إلى مساهمة مهمة من” الكنوبس”.. في ما يبدو في ظاهره خطوة حمائية اجتماعية، يشكل في عمقه عملية نقل هادئة ولكن ضخمة للطلب الصحي نحو القطاع الخاص.

ومع كل بطاقة “AMO” جديدة، يزداد تدفق المرضى على المصحات الخاصة، فيما يواصل القطاع العام المعاناة من الاكتظاظ ونقص الموارد.. هذا الاختلال نفسه أصبح عنصراً يعزز تنافسية مجموعات مثل “أكديطال” ، التي تستفيد من طول آجال الانتظار في المستشفيات العمومية ومن تمركز المستشفيات الجامعية في أقطاب محدودة، في حين تنتشر هي في مدن عديدة ومتوسطة الحجم.

هندسة التوسع: من المصحات إلى مراكز التشخيص

و في ذات السياق، دفع التحول في مصادر المداخيل المجموعة إلى تسريع وتيرة توسعها الجغرافي والوظيفي.. فإلى حدود شتنبر 2025، أصبحت الشبكة تضم 39 مصحة في 23 مدينة بطاقة سريرية تناهز 4419 سريراً، أي أكثر من 700 سرير إضافي مقارنة بسنة 2024، و تمتد الخطة أبعد من ذلك، فبحلول 2027، تتوقع الشركة بلوغ 62 مؤسسة في 32 مدينة وبطاقة إجمالية تقارب 6200 سرير، معتمدة على زيادات رأسمالية وتمويلات مصرفية تمت تعبئتها خلال 2024.

وفي إطار رؤية أكثر براغماتية للطلب الصحي، تتجه المجموعة نحو إنشاء شبكة ضخمة من مراكز التشخيص في المناطق النائية، تُصمَّم لتقديم خدمات أولية في الوقاية والكشف مع وظيفة اقتصادية مضمرة: تحويل المرضى إلى المصحات التابعة للمجموعة عند الحاجة إلى تدخلات أكثر تعقيداً.

كما وتتحدث الخطة المعلنة عن 200 مركز بحلول 2030، بكلفة تقدر في المتوسط بـ5 ملايين درهم لكل وحدة.

ربحية مضمونة… لكنها محفوفة بالأسئلة

ورغم أن هذه البنية المالية توسعية وتبدو مستقرة، إلا أن الارتهان العميق لصناديق الضمان الاجتماعي يظل نقطة حساسة في نموذج “أكديطال” .. فكل تعديل مستقبلي في قواعد التعويض، أو تغييرات حكومية في السياسات التسعيرية، يمكن أن يعيد هندسة هوامش الربح بشكل كامل، فالقطاع الخاص يستفيد اليوم من نظام دعم غير مباشر عبر تدفق المرضى الممولين من مؤسسات عمومية، غير أن هذه المعادلة قد تتغير تبعاً للقرارات السياسية.

وفي خلفية هذا المشهد، تواصل الدولة محاولة تحديث المنظومة الصحية العمومية، لكن هذا التحديث، وفق التحليل المالي ذاته، لن يضر بمداخيل “أكديطال” في المدى القريب، لأن البنية التحتية العمومية لا تزال غير قادرة على احتواء الطلب المتزايد، ولأن سلسلة القيمة الصحية في المغرب تميل تلقائياً نحو القطاع الخاص حين يتعلق الأمر بالسرعة والولوج.

سوق تتّسع ومنافسة تستيقظ

ورغم القوة الحالية لـ”أكديطال” ، فإن خريطة المنافسة لا تزال مرنة وقابلة لإعادة التشكل.. مجموعات مثل “ONCORAD” و”CIM”، وإن كانت اليوم أقل حجماً وتنظيماً، إلا أن الظرفية الحالية قد تمنحها فرصة للنمو والتخصص، ما يجعلها منافسين محتملين في السنوات المقبلة.

لم يعد القطاع الخاص الصحي المغربي فضاءً ثابتاً بل دينامية اقتصادية تتغير بسرعة، حيث تتقاطع فيها الاستثمارات والطلب الاجتماعي والسياسات العمومية.

الصحة بين الدولة والسوق: من يتكفل بمن؟

ما يحدث اليوم لا يبدو مجرد قصة نجاح للقطاع الخاص ولا مجرد تعثر للقطاع العام، بل هو تحوّل عميق يمس بنية اقتصاد الصحة في المغرب.. فالسوق بات يتسلل أكثر إلى قلب الخدمات الأساسية، والتغطية الصحية التي أُريد لها أن تكون آلية للحماية الاجتماعية تحوّلت تدريجياً إلى مصدر للربحية، ومع هذا التحول، يفقد المستشفى العمومي دوره التقليدي كملاذ أخير للأسر محدودة الدخل، بينما يتقدم القطاع الخاص ليصبح الوجهة شبه الحتمية لكل من يبحث عن علاج خارج دوامة الانتظار.. وبين هذا وذاك يطفو سؤال لم يُطرح بما يكفي من الجرأة: هل نريد نظاماً صحياً مُكرَّساً للعلاج، أم نموذجاً يُدار وفق منطق الأرباح المتأتية من كثافة المرضى؟ هذا هو جوهر النقاش الذي ما زال معلقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى