
فلسفة الانتظار في زمن الرأسمالية التوسعية
حين تتحوّل الحياة إلى قاعة انتظار
بقلم: بثينة المكودي
لم يعد الانتظار لحظة عابرة بين حدثين ولا مجرّد فاصلة زمنية بين رغبتين، بل تحوّل إلى وضع وجودي كامل وإلى أسلوب حياة تُدار به تفاصيل يومنا الفردية والجماعية. صرنا لا نعيش بقدر ما ننتظر وظائف، ترقيات، نهاية الشهر، انفراجًا اقتصاديًا، تغييرات سياسية، أو حتى إشعارًا صغيرًا على شاشة الهاتف يؤكد أننا ما زلنا مرئيين.
شيئًا فشيئًا أصبحت الحياة أقرب إلى ردهة كبيرة بلا نوافذ يدور فيها الزمن ببطء ثقيل، فيما يرنّ نداء داخلي لا يكف عن التذكير بأن الدور لم يحن بعد.
ننتقل من انتظار إلى آخر دون أن ننتبه إلى أن ما نستهلكه ليس الوقت بل أعمارنا نفسها.
الحياة كقاعة انتظار كونية
تكفي نظرة واحدة إلى تفاصيل يوم عادي لنكتشف حجم المأزق الخفي الذي نعيشه، صفوف طويلة أمام الإدارات العمومية، انتظار مرهق في ممرات المستشفيات،ترقّب متواصل ،في محطات النقل، توتر يومي أمام التطبيقات الرقمية
حتى الفضاء الافتراضي صار قاعة انتظار جديدة ننتظر فيها رسالة، تعليقًا، مكالمةً فائتة، أو اعترافًا رقميًا سريع الزوال
في زمن سابق كان الانتظار جسرًا واضحًا بين نقطتين
تنتظر القطار فيأتي
تنتظر الحصاد فيحل
تنتظر رسالة فتفرح أو تحزن
أما اليوم فصرنا ننتظر بلا موعد ولا أفق ولا ضمانات ننتظر الحياة نفسها كما لو كانت وظيفة لم نتلقَّ بعد جوابها
الفلاسفة والانتظار كأزمة وجود
لم يمرّ الانتظار على الفلاسفة مرور الكرام بل شكّل عندهم سؤالًا مركزيًا حول معنى الزمن والوجود
كيركغارد رأى الانتظار كقلق قائم بذاته الإنسان المعلّق بين الاحتمال والخوف يعيش كمن يقف على حافة قرار لا يتجرأ على اتخاذه ولا يستطيع التراجع عنه
نيتشه اعتبر الانتظار مرضًا في الإرادة موقفًا سلبيًا يعكس عجز الإنسان عن صناعة قدره والاكتفاء بترقّب خلاص من الخارج
سارتر رأى الانتظار هروبًا من الحرية كثيرون يلوذون بفكرة لاحقًا حتى لا يواجهوا مسؤولية الآن
كامو تعامل مع الانتظار بوصفه وجهًا من وجوه العبث فنحن ننتظر في عالم لا يقدّم ضمانات ومع ذلك يدعونا إلى أن نحيا رغم العبث وأن نصنع المعنى ولو في العراء
حنة أرندت ربطت الانتظار بعطالة الفعل فالإنسان لا يُعرَف بما ينتظر بل بما يفعل والتأجيل الطويل يحوّل الفرد من فاعل في التاريخ إلى متفرج عليه
في التراث الفلسفي الإسلامي لم يكن الانتظار فضيلة إذا اقترن بالكسل أو الاتكال بل كان الزمن امتحانًا للسعي والعمل لا مساحة للتواكل
الرأسمالية وتصنيع الانتظار
لم تعد الرأسمالية مجرّد نمط إنتاج بل تحوّلت إلى آلة ضخمة لإنتاج الانتظار
تبيع الوعد أكثر مما تبيع الواقع
تسوّق الغد أفضل مما تتيح اليوم
تؤجّل الراحة باسم الطموح
وتؤجّل الاستقرار باسم المنافسة
هكذا يصبح الإنسان مشروعًا مؤجّلًا باستمرار يعمل من أجل وعد لا يتحقق ويعيش من أجل مستقبل لا يصل
الراتب ذاته تحوّل من وسيلة للعيش إلى محطة انتظار نعدّ الأيام حتى يصل ثم يختفي في لحظة ليُعلن بدء انتظار جديد
نعيش النصف الأول من الشهر على القلق والنصف الثاني على التقشف وبينهما تضيع الحياة
الرأسمالية لا تستنزف الجهد فقط بل تسرق الزمن وتعيد تشكيل علاقتنا به تجعلنا دومًا نشعر بالنقص وتعوّدنا على فكرة أن الحياة الحقيقية لم تبدأ بعد
حين يُسرق الحاضر باسم المستقبل
الخطر الأعمق لا يكمن في طول الانتظار بل في سرقة الحاضر
نؤجّل السفر لأنه ليس الوقت المناسب
نؤجّل الفرح لأن الظروف صعبة
نؤجّل الحب لأنه غير مضمون
نؤجّل العيش إلى إشعار آخر
نقنع أنفسنا أن الغد سيعوّض ما فات لكن الغد لا يعوّض بل يبتلع وما نؤجّله اليوم لن نملكه غالبًا غدًا
هكذا يصبح الانتظار متاهة المستقبل نلاحق الأمل فيما يبتعد مدخله ونؤمن بالوعد فيما يتقلّص الحاضر
من انتظار قاتل إلى انتظار واعٍ
ليست الدعوة إلى إلغاء الانتظار بالكامل فالانتظار في ذاته ضرورة بشرية في حالات المرض والتعلّم وبناء المشاريع
لكن الفارق كبير بين انتظار يطفئ الإنسان وانتظار يوقظه
بين انتظار يشلّ الحياة وانتظار يمنحها وعيًا
بين انتظار يعطّل الفعل وانتظار يحرّكه
التحرّر لا يكون برفض الزمن بل باستعادة السيادة عليه
ألا نربط سعادتنا كليًا بقرارات لا نملكها
ألا نختزل الحياة في وعود السوق
ألا نجعل المستقبل وطنًا والحاضر مجرد ممرّ
الحياة لا تُؤجَّل
الحياة ليست رقمًا في طابور ولا تذكرة مؤجَّلة ولا ملفًا ينتظر توقيعًا
الحياة تُعاش الآن
ولو كانت ناقصة
ولو كانت مرتبكة
ولو كانت صعبة
قد لا يُفتح الباب الذي ننتظره
قد لا يأتي القطار الذي وُعِدنا به
لكن الأخطر من ذلك كلّه أن نموت على المقاعد دون أن نحاول الوقوف
الانتظار متاهة المستقبل
والحياة لا تبدأ غدًا
الحياة إمّا هنا أو لا تكون






