الرئسيةمجتمع

ONSSA تبرئ السوق…وأمهات المغرب يقلقن

°تحرير: جيهان مشكور

خرج المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية ليؤكد، بنبرة رسمية مطمئنة بكلمات تقنية، أن المغرب “خارج دائرة الخطر” في قضية سحب دفعات من حليب الأطفال التي أعلنت عنها شركة “نستله” في عدد من الدول.

و شدد البلاغ على أن الدفعات المعنية لم تطأ التراب الوطني، وأنه “فور التوصل بالإشعار الصحي” تم تشديد المراقبة عند نقاط التفتيش الحدودية.. عبارة تبدو مثالية على الورق، لكنها تفتح بابًا مشروعًا للتساؤل: لماذا دائمًا “فور التوصل بالإشعار”؟ وأين كانت منظومة اليقظة الاستباقية قبل أن تدق أوروبا ناقوس الخطر؟

“المراقبة الصارمة”… شعار أم ممارسة؟

تؤكد الـONSSA، مرة أخرى، أن جميع المنتجات المستوردة، بما فيها أغذية الأطفال، تخضع لمراقبة دقيقة وصارمة قبل السماح لها بدخول السوق.. فهل نحن أمام منظومة رقابية استباقية فعلاً، أم أمام ردود فعل تُفَعَّل فقط بعد صدور بلاغات دولية؟

فالأرقام الرسمية تتحدث عن آلاف عمليات المراقبة سنويًا ونِسب مطابقة مرتفعة، غير أن غياب نشر معطيات مفصلة للرأي العام حول نتائج التحاليل ومآل الشحنات المرفوضة يجعل “الصرامة” مفهومًا فضفاضًا أكثر منه واقعًا ملموسًا.

نستله تبرئ الذمة… والسياسة الاحترازية حاضرة

من جهتها، سارعت “نستله” إلى التأكيد بأن المغرب غير معني بالدفعات المسحوبة، مرفقة ذلك بقائمة دول “المنطقة الآمنة”. الشركة شددت أيضًا على عدم تسجيل أي حالات مرضية مرتبطة بهذه الدفعات إلى حدود تاريخ البلاغ، وأن السحب جاء في إطار إجراء احترازي صرف.

غير أن هذا الخطاب، وإن كان متوقعًا من شركة متعددة الجنسيات، يطرح سؤال العلاقة غير المتوازنة بين الشركات العملاقة والأسواق النامية.. فهل نكتفي بطمأنة مصدرها الجهة المنتِجة نفسها؟ أم أن من حق المستهلك المغربي تقارير مخبرية مستقلة، منشورة للرأي العام، تعزز الثقة بدل الاكتفاء ببلاغات متبادلة؟

البعد الاجتماعي… قلق الأمهات لا تُبدّده البلاغات

خلف لغة البيانات الرسمية، يتنامى قلق حقيقي داخل آلاف الأسر، خاصة محدودة الدخل، حيث لا يُعد حليب الأطفال منتجًا ثانويًا بل ضرورة يومية تثقل كاهل الميزانيات الهشة.. وأي خبر عن سحب أو خلل، حتى وإن لم يشمل المغرب، يكفي لزرع الشك ودفع الآباء نحو بدائل أكثر كلفة أو أقل توفرًا، ما يعمّق الفوارق الاجتماعية في الولوج إلى تغذية آمنة للأطفال.

اقتصاد الثقة… حين تختبر المؤسسات

تكشف القضية أن السلامة الغذائية ليست شأنًا تقنيًا فقط، بل رهانًا اقتصاديًا وسياسيًا.. فثقة المستهلك في المؤسسات الرقابية وفي الشركات متعددة الجنسيات تُبنى بالشفافية لا بالبلاغات المختصرة، و الإعلان عن “عدم التأثر” خطوة أولى، لكن الرهان الحقيقي يكمن في نشر المعطيات، و شرح مسارات المراقبة، وإشراك الرأي العام في فهم كيف ولماذا يُسحب منتج في بلد ويُعتبر آمنًا في آخر.

خلاصة ساخرة بمرارة الواقع

بين طمأنة الـONSSA واحتراز “نستله”، يبقى المواطن عالقًا بين خطابين: أحدهما رسمي يطلب الثقة، والآخر تجاري يطلب الاطمئنان، وفي الحالتين، لا شيء يهدئ القلق مثل معلومة واضحة ومساءلة شفافة، لأن صحة الأطفال لا تحتمل منطق “كل شيء تحت السيطرة”… حتى إشعار آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى