
فايننشال تايمز..من حرب العراق إلى إيران: أخطاء تتكرر
في مقال نشرته صحيفة فايننشال تايمز، قدّم الباحث جوناثان ستيفنسون قراءة نقدية لسياسة الحروب الوقائية التي تبنتها الولايات المتحدة، معتبراً أنها أسهمت في إضعاف نفوذها الدولي بدلاً من تعزيزه، وأدت في كثير من الأحيان إلى نتائج غير مستقرة وفاشلة.
استقالة جو كينت من مركز مكافحة الإرهاب
ويشير ستيفنسون، الذي سبق أن عمل في مجلس الأمن القومي خلال إدارة باراك أوباما، إلى أن اللجوء إلى القوة العسكرية في ظل وجود فرص للحلول الدبلوماسية غالباً ما يقود إلى تداعيات معقدة.
واستشهد باستقالة جو كينت من مركز مكافحة الإرهاب، احتجاجاً على توجهات إدارة دونالد ترامب، التي خاضت مواجهة عسكرية مع إيران رغم عدم وجود تهديد وشيك، وفق تقديره.
ويرى الكاتب أن توصيف كينت للحرب ضد إيران كحرب وقائية كان دقيقاً إلى حد كبير، رغم الجدل المحيط بمبرراتها، مشيراً إلى أن تحميل إسرائيل المسؤولية الرئيسية في هذا التصعيد لا يعكس الواقع بالكامل، نظراً للصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها الرئيس الأمريكي في اتخاذ قرار الحرب.
حرب العراق عام 2003 نموذجاً واضحاً للحروب الوقائية
ويعود ستيفنسون إلى حرب العراق عام 2003، معتبراً إياها نموذجاً واضحاً للحروب الوقائية، بغض النظر عن الجدل حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل.
ويؤكد أن تلك الحرب كشفت عن إشكالية جوهرية تمثلت في الخلط بين مفهوم “الحرب الوقائية” و”الضربة الاستباقية”، وهو ما تجسد لاحقاً في ما عُرف بـعقيدة بوش، التي وسّعت مبررات استخدام القوة العسكرية بشكل أحادي.
وجاءت هذه التحولات في سياق ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، حيث تصاعدت المخاوف من تكرار الهجمات، ومن احتمال حصول جماعات مثل تنظيم القاعدة على أسلحة خطيرة.
وهو ما دفع واشنطن إلى تبني تفسير موسع لمفهوم الدفاع عن النفس، يسمح بالتحرك العسكري حتى في ظل غياب تهديد وشيك.
ويضيف الكاتب أن التركيز لاحقاً على إدارة تداعيات غزو العراق والحرب على الإرهاب أدى إلى تراجع النقاش القانوني حول شرعية هذا النهج، في وقت ساهمت فيه “عقيدة بوش” في تعقيد بناء تحالفات دولية، ووفرت مبررات لانتهاكات مثل تعذيب المشتبه بهم.
تقليص الانخراط في “الحروب الطويلة” في العراق وأفغانستان
كما يلفت إلى أن هذا التوجه انعكس في اعتماد الولايات المتحدة بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة والعمليات الخاصة في مكافحة الإرهاب، وهو نهج استمر عبر إدارات متعاقبة من بوش إلى أوباما ثم ترامب وجو بايدن، جزئياً بهدف تقليص الانخراط في “الحروب الطويلة” في العراق وأفغانستان.
وفي حين اعتُبر هذا الأسلوب مقبولاً نسبياً خلال الحرب على الإرهاب، بسبب طبيعة التهديدات غير التقليدية، فإن الافتراض كان أن تعود الدول لاحقاً إلى قواعد أكثر صرامة في استخدام القوة.
إلا أن تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وظهور توجهات أكثر أحادية، خاصة في عهد ترامب، قوض هذه التوقعات.
ويرى ستيفنسون أن الكونغرس الأمريكي يظل الأداة الأبرز لكبح توسع السلطة التنفيذية في قرارات الحرب، رغم محدودية نجاحه حتى الآن، مشيراً إلى أن الضغوط السياسية والانتخابية قد تعزز مستقبلاً من دوره الرقابي.
ويخلص المقال إلى أن الجمع بين النزعة الوقائية والتقليل من أهمية التحالفات الدولية أضعف مكانة الولايات المتحدة، وأن استخدام القوة في ظل توفر بدائل دبلوماسية يظل عاملاً مزعزعاً للاستقرار.
كما يشير إلى تنامي تيار داخل الولايات المتحدة، يضم ليبراليين ومحافظين، يدعو إلى قدر أكبر من “الضبط الاستراتيجي” لتفادي كلفة المغامرات العسكرية وتداعياتها.




