اقتصادالرئسية

إغلاق جماعي يهز سوق الذهب بالدار البيضاء

أعاد الحديث عن استعداد إدارة الجمارك لإطلاق حملة مراقبة واسعة على محلات بيع الذهب بمدينة الدار البيضاء رسم مشهد غير مألوف داخل أكبر سوق تجاري بالمملكة، بعدما سارعت مجموعة من المحلات، خاصة داخل القيساريات والأسواق التقليدية، إلى إغلاق أبوابها بشكل مفاجئ.. اعتُبر هذا السلوك مؤشر واضح على حجم التوتر الذي يسود قطاعا ظل لسنوات يشتغل بمنطق الأعراف أكثر من منطق التنظيم الصارم.

الذهب

وجاء هذا التطور في ظل التداعيات المستمرة لقضية “الذهب المزور”، التي هزت ثقة المستهلكين وأعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول فعالية المراقبة، ومصداقية الدمغات، ومصادر التزود، ومدى احترام المعايير القانونية المعمول بها.

الخوف من الدفاتر أكثر من الخوف من الذهب

تؤكد مصادر مهنية متطابقة أن موجة الإغلاق لا تعني بالضرورة اعترافا بوجود غش ممنهج، بقدر ما تعكس تخوفا من افتحاص شامل قد يكشف اختلالات إدارية وتنظيمية متراكمة، فكثير من الفاعلين الصغار والمتوسطين يشتغلون بأنظمة محاسبية تقليدية، وبعضهم لا يوثق المشتريات والمبيعات بالشكل المطلوب، بينما تظل الفواتير أحيانا مجرد تفصيل ثانوي في قطاع يعتمد كثيرا على الثقة الشفوية.

لتتكشف مفارقة صارخة: ففي وقت تتجه فيه الدولة إلى تعميم الرقمنة وتعزيز الشفافية الجبائية، ما تزال قطاعات حساسة مثل تجارة الذهب تعاني من تأخر واضح في تحديث أساليب التدبير والتتبع.

سوق بمليارات الدراهم.. وتنظيم أقل من المطلوب

يعد الذهب من أكثر المواد المتداولة قيمة في الاقتصاد غير البنكي، كما يشكل ملاذا للأسر المغربية في الادخار ومواجهة الأزمات، وتشير تقديرات دولية إلى أن الطلب المغربي على الذهب والمجوهرات يعرف استقرارا سنويا مهما، مدفوعا بالمناسبات الاجتماعية والادخار العائلي، خصوصا في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء وفاس ومراكش.

لكن رغم هذه الأهمية الاقتصادية، ما يزال القطاع يفتقد لمسالك واضحة وشفافة من الإنتاج إلى البيع النهائي.. فالتزود يتم أحيانا عبر موردين ووسطاء متعددين، ما يصعب تحديد المسؤوليات عند ظهور منتجات غير مطابقة للعيار أو الجودة، وهنا يتحول التاجر أحيانا من بائع إلى ضحية لسوق غير منظم.

عدوى الإغلاق وغياب التواصل الرسم

ما حدث في البيضاء يعكس أيضا سلوكا جماعيا قائما على منطق “إذا أغلق الجميع أغلق معهم”، فغياب بلاغات رسمية دقيقة بشأن توقيت المراقبة أو شروطها فتح الباب أمام الإشاعات، ودفع عددا من المهنيين إلى اتخاذ قرارات احترازية خوفا من الاستهداف الفردي أو من سوء الفهم الإداري.. هذا النوع من الارتباك يكشف أن التواصل المؤسساتي لا يقل أهمية عن المراقبة نفسها، لأن الأسواق الحساسة تتأثر بالشائعات أكثر مما تتأثر بالقرارات.

الثقة المفقودة تحتاج إصلاحا لا حملة عابرة

أزمة الذهب الحالية أكبر من مجرد حملة تفتيش، إنها اختبار لقدرة الدولة والمهنيين على إعادة بناء الثقة في قطاع يرتبط مباشرة بمدخرات الأسر المغربية، والمطلوب اليوم يتجاوز مراقبةً ظرفية، الى إصلاح شامل يبدأ بتوحيد الدمغات، ورقمنة الفواتير، وتتبع سلاسل التوريد، و يصل إلى تشديد العقوبات على الغش، فحين يغلق التجار أبوابهم خوفا من المراقبة، فإن الرسالة الأوضح هي وجود قطاع يحتاج إلى إعادة ترتيب كاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى