
تحرير: جيهان مشكور
قررت السلطات المغربية تعليق استيراد القمح الطري بشكل مؤقت خلال شهري يونيو ويوليوز 2026، في خطوة تعكس تحولات لافتة في تدبير السياسة الفلاحية والغذائية، على أن يُستأنف الاستيراد ابتداءً من غشت المقبل، وذلك في سياق مؤشرات إيجابية توحي بموسم فلاحي أفضل مقارنة بالسنوات الأخيرة التي اتسمت بالجفاف وتراجع مردودية الحبوب.
و يأتي هذا القرار، بالتزامن مع اقتراب فترة الحصاد، ليتجاوز أبعاده التقنية المرتبطة بتنظيم السوق، ويكشف عن رهانات اقتصادية واجتماعية وسياسية تتعلق بالأمن الغذائي واستقرار أسعار المواد الأساسية، في بلد يُعد فيه الخبز من أهم مكونات الاستهلاك اليومي للأسر.
موسم فلاحي يُنعش الآمال بعد سنوات الجفاف
بحسب المعطيات الرسمية، يتجه الموسم الفلاحي الحالي نحو تسجيل إنتاج يُناهز 90 مليون قنطار من الحبوب، وفق ما أكده وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، في أبريل الماضي، ويُعزى هذا التحسن أساساً إلى التساقطات المطرية المهمة التي شهدتها عدة مناطق فلاحية خلال الأشهر الأخيرة، بعد سنوات متتالية من الجفاف والعجز المائي أثرت بشكل مباشر على الإنتاج الوطني.
ويُنظر إلى هذا التحسن بوصفه متنفساً اقتصادياً للفلاحين الصغار والمتوسطين الذين عانوا من ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع المداخيل، خاصة أن قطاع الحبوب يشغل نسبة واسعة من اليد العاملة القروية ويساهم بشكل مباشر في الدورة الاقتصادية بالمجال الريفي.
حماية المنتوج الوطني وتخفيف ضغط التخزين
و في هذا السياق، أوضح رئيس فيدرالية المطاحن بالمغرب، عبد القادر العلوي، أن قرار تعليق الاستيراد يهدف إلى تسهيل تسويق وتجميع المحصول الوطني ومنح الأولوية للقمح المحلي داخل السوق، مع تفادي الضغط الذي قد تُحدثه الكميات المستوردة على قدرات التخزين الوطنية.
ويعكس هذا التوجه محاولة لتحقيق نوع من التوازن بين حماية الفلاح المغربي وضمان استقرار السوق، خاصة أن استمرار تدفق الواردات خلال فترة الحصاد قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار بشكل يضر بالمنتجين المحليين.
ورغم ذلك، شدد العلوي على أن العودة إلى الاستيراد خلال شهر غشت ستظل خياراً مفتوحاً إذا تبين أن الإنتاج المحلي غير كافٍ لتغطية الطلب الداخلي، ما يؤكد استمرار ارتباط المغرب بالأسواق الدولية لتأمين حاجياته الغذائية.
17 مليون قنطار مستورد في أربعة أشهر
ورغم المؤشرات الإيجابية، تكشف الأرقام استمرار هشاشة التوازن الغذائي الوطني، إذ بلغت واردات المغرب من القمح الطري حوالي 17 مليون قنطار خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026، وهو رقم يعكس حجم الاعتماد على الخارج لتلبية حاجيات السوق.
ويظل القمح الطري مادة استراتيجية شديدة الحساسية، ليس فقط لارتباطه بالاستهلاك اليومي، بل أيضاً لارتباطه بالاستقرار الاجتماعي والسياسي، إذ إن أي اضطراب في تموين السوق أو ارتفاع في الأسعار ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.
الأمن الغذائي بين المناخ وتقلبات الأسواق العالمية
وجد المغرب نفسه خلال السنوات الأخيرة، أمام تحديات مركبة مرتبطة بتقلبات المناخ وارتفاع أسعار الحبوب في السوق الدولية نتيجة الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل التوريد العالمية، وهو ما دفع الدولة إلى تعزيز مخزونها الاستراتيجي وتشجيع الإنتاج المحلي لتقليص التبعية للخارج.
لكن خبراء الاقتصاد الزراعي يعتبرون أن تحقيق السيادة الغذائية لا يرتبط فقط بتحسن التساقطات المطرية في موسم واحد، بل يتطلب إصلاحات هيكلية تشمل تدبير المياه، وتحديث أساليب الزراعة، ودعم البحث الزراعي، وتوسيع قدرات التخزين والتثمين، حتى يتحول التحسن الظرفي الحالي إلى مكسب استراتيجي دائم.





