في الحاجة إلى استئناف التنوير عربيا

0

خليفة الشويشي
كاتب تونسي

لا مناص للعرب اليوم من “التجدد” الديني والفكري، لأنه البديل الأسلم عن “التبدد”، إذا ما رغبوا في الانتماء إلى العصر.

الانهيارات المتتالية، والحروب الوحشية والنزاعات الحادة، التي يتلظى من هولها العرب في الفترة الراهنة ،تفرض التفكير في مشروع تنوير جديد وإطلاق مبادرات للإصلاح الديني وإعادة صوغ للخطاب الديني، الذي منع التفكير وفرض التكفير ومراحل الانحطاط في  تاريخنا الإسلامي.

في الواقع الدعوة إلى الإصلاح الديني والاستنارة لا تحتاج إلى مناسبة، بل هي مطلوبة لذاتها في كل وقت وحين، غير أن ما يمر به العرب في المراحل الحالية من تقهقر وتفكك وظروف صعبة يجعل من مشروع التنوير حاجة مستعجلة، مهمتها الأولى فرملة السقوط الحر المتواصل ثم لاحقا إزالة الظلام الماثل بيننا وبين المستقبل.

ما يعيشه العرب اليوم عاشته أوروبا القرون الوسطى بتفاصيله الأشد قتامة من اقتتال طائفي وجمود فكري وهيمنة للكنيسة وإقصاء للعقل غير أن الأوروبيين لم يبقوا مكتوفي الأيدي أمام تلك الوضعية التي بلغوها

لقد دفعت تلك الظروف كوكبة من مفكري ذلك العصر إلى التجرؤ على نقد الكنسية، وهو ما أفضى إلى بروز حركة إصلاح ديني قادها إصلاحيون من أمثال مارتن لوثر رفضوا المقولات المتهافتة للكنيسة وتحكمها بعقول الناس.

كان التنوير الأوروبي دعوة صريحة إلى إعمال العقل ورفض الوصاية عليه من أي كان، لخّصه رائده إيمانويل كانط في إجابته الشهيرة على سؤال، ما التنوير؟ بأنه “كن شجاعا، واستخدم عقلك، هذا هو شعار التنوير”.

في العالم العربي نبّهت حملة نابليون بونابرت على مصر المفكرين العرب والمسلمين إلى ضرورة الإصلاح الديني وتجديد الخطاب الإسلامي، لجهة حجم التخلف الذي يعيشه المسلمون قياسا بالحضارة الغربية. ودقت تلك اللحظة التاريخية والمفصلية ناقوس الخطر، فتصاعدت على إثرها دعوات إلى التدبر في ما آل إليه حال العرب والمسلمين.

لاقت هذه الدعوة صداها وظهرت تيارات فكرية إصلاحية تنادي بضرورة استلهام التجربة الأوروبية، منها من دعا إلى تطبيق العلمانية كحل لتجاوز حالة التأخر والتخلف ومن أهم أعلامها بطرس البستاني، وشبلي شميل، وسلامة موسى، وفرح أنطون وطه حسين وغيرهم. وكان قد سبقها ظهور تيار ديني يرى أن الحل في تجاوز حالة التخلف يكمن في القيام بعملية إصلاح ديني كان من أبرز روادها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورفاعة رافع الطهطاوي وخيرالدين التونسي، وقد حاول هذا التيار المواءمة بين بعض منجزات الحضارة الغربية ومبادئ الإسلام، غير أن تجربته باءت بالفشل لأن موجة أصولية ماضوية تلته ثم غمرته وغطت عليه.

والمقصود هنا بالموجة الأصولية ظهور حركة الإخوان المسلمين عام 1928 بقيادة حسن البنا وتراجعها عن المواقف الإصلاحية للإمام محمد عبده وتبنيها مواقف تلميذه رشيد رضا الانغلاقية ثم تبعتها مرحلة انتشار السلفية بشكل هائل تدعمت بانتصار ثورة الملالي في إيران الشيعية التي هي سلفية أيضا ولم تجدد شيئا يذكر على المستوى اللاهوتي

ألقت هذه التيارات بظلالها القاتمة على المنطقة العربية ونشرت فكرا أصوليا وتعصبا دينيا تغلغل في ثنايا العقل الجمعي، وجاءت مرحلة ما سمّي بالربيع العربي ليظهر التعصب الديني في شكله الأكثر راديكالية عبر تنظيمات دموية مثل القاعدة وداعش كشفت حجم الخطر المحدق بالعالم العربي إذا ما تواصل الصمت إزاء الروافد الفكرية لهذه الحركات الأصولية.

أمام هذا الواقع، أصبح لزاما على العرب والمسلمين جميعا، ألا يظلوا متعلقين بتراثهم بشكله التقليدي وأن يتجهوا نحو المستقبل، مستقبل يمر حتما عبر عملية إصلاح ديني جذرية تحرر النفوس والنصوص من الشوائب والأحكام التراثية البالية التي تقف حجر عثرة أمام كل محاولة تقدم وعصرنة.

الحديث عن الإصلاح الديني هو حديث عن إصلاح منظومة، ولا يمكن تصور بداية معينة له، لأنه ببساطة ليست هناك نقطة واحدة للبداية ولا يوجد مدخل واحد من المداخل، فالمداخل متعددة وينبغي أن تتحرك بالتوازي.

ففي الوقت الذي نفتح فيه ورشة فكرية لتجديد موضوعات النظر الإسلامي في قضايا الاقتصاد والاجتماع والفكر والتنمية وغيرها، نحتاج إلى تجديد المنظومة التربوية والتعليمية التي تلقن الناشئة كل ما يتصل بالفكر الديني، كما نحتاج إلى تأهيل التشريعات المنظمة للمجال الديني في مجال الأوقاف، وفي الأحوال الشخصية. إنه، إصلاح شامل لا يستثني مجالا.

يجب أن تكرس عملية الإصلاح والتجديد للخطاب الإسلامي تثوير العقول وتنويرها. إذ لا مناص للعرب اليوم من “التجدد” الديني والفكري لأنه البديل الأسلم عن “التبدد”، إذا ما رغبوا في الانتماء إلى العصر.

عاجلا أم آجلا، ستفرض عملية الإصلاح والعقلانية والتنوير نفسها عليهم كما فرضت ذاتها على الشعوب المتقدمة.

المصدر: صحيفة العرب

اترك رد