التوراني يكتب: كورونا باللحية والشعكوكة.. والوجه الأخير لمحمد زفزاف

0

عبدالرحيم التوراني

كورونا باللحية والشعكوكة

الوجه الأخير لمحمد زفزاف

(إلى صديقي محمد بنطلحة)

عبد الرحيم التوراني

لا أحتمل منظري غير حليق الذقن، رغم الحجر الصحي أحلق كل يومين أو ثلاثة لحيتي حتى أتجنب أن أصاب بالكآبة.

لم أتعرف من أول نظرة على صديقي العزيز الشاعر محمد بنطلحة عندما نشرعلى صفحته قبيل أيام، صورته في بيته بمدينته فاس، وقد أعفى لحية رمادية اخفت شبابه الدائم واعتدت على وسامته.

في الحجر الصحي لجأ العديد من الاصدقاء إلى ما يسمى ب”الحلاقة الذاتية”. أتفرج على صورهم وهم يحلقون شعر رؤوسهم بأنفسهم، أو بمساعدة من ولد أو زوجة. سلوك صحي، حتى لو فتحت محلات الحلاقين فولوجها محفوف بمخاطر التقاط العدوى.. الله يحفظ.
***
لحية زمن كورونا:

كثيرون ممن أعفوا لحاهم هم الأن يتمترسون خلف أبواب الحجر في المنازل، هذا جعلني أفكر في موضوع اللحية و”شعكوكة” الرأس.

كان الإنسان القديم ملتحيا، بل كان الشعر يغطي كل أجزاء جسده، ألم يخبرنا داروين أن أصل أجدادنا من جنس القردة؟
بعد العصر الحجري بقرون تمكن الإنسان من اكتشاف “آلة” للتخفيف من الشعر النابت في وجهه، إلى أن اخترع شفرات الحلاقة التي نعرفها اليوم بماركاتها المتعددة.
لدى بعض الشعوب كان الرجال يكتفون بإزالة شعر الذقن ويعفون الشارب، إذ يمثل الشنب لديهم رمز الرجولة والفحولة، وبه يحلفون: “وحق “الشلاغم” اللي كيحلفو بها الرجالة”، أو “والله لأحلق ذقني لو كذا…”
كما ارتبطت اللحية بالوجاهة وبمظاهر الإيمان، كل الفقهاء ورجال الدين يعفون لحاهم.
ولا زال الأمر على ما هو عليه لدى بعض الشعوب، مثل الأكراد عبر الشتات، وفي آسيا الصغرى وإيران والعراق.
***
في المغرب، كما في باقي بلدان العالم، كان الرجال في القديم أيضا ملتحون، أنظر إلى صور السلاطين القدامى، التي وصلتنا ورسمها تحت الطلب رسامون أوربيون في تلك العهود، من السلطان أحمد المنصور الذهبي، إلى سلاطين الدولة العلوية.

محمد الخامس باللحية والصلعة:

يظهر السلطان محمد الخامس في صوره شابا بلحية خفيفة، كما وزع حزب الاستقلال صورة مؤثرة للملك المنفي في جزيرة مدغشقر، (تلت مباشرة صورته التي بدت في القمر)، ظهر محمد بنيوسف جالسا أمام صندوق مذياع “يتتبع أخبار شعبه والوطن”، بوجه غير حليق (لحية سيمانة (أسبوع)، كما يسمونها) وبرأس أصلع عار بلا طربوش. قبل أن يعتاد عليه المغاربة بوجه حليق وبطربوش من نوع لم يكن معروفا في المغرب، اعتمره السلطان المنفي، لما اشتراه من بائع طرابيش أندونيسي في تلك الجزيرة النائية بجنوب المحيط الهندي، فحمل الطربوش إلى يومنا اسم “الطربوش الوطني”، رغم أن أصله من شبه الجزيرة الهندية، حيث نزل التجار الهنود إلى جنوب إفريقيا ومدغشقر، وبينهم لاجئون سياسيون من الهند، على رأسهم المهاتما غاندي.

الحسن الثاني ب”لي بات” و”الموسطاش”:

الملك الحسن الثاني تظهره صور من بداية حكمه في الستينيات بلحية خفيفة، وصور أخرى بشارب فقط، وبعد تخليه عن اللحية والشارب كان الحسن الثاني يترك “لي بات” (Pattes cheveux) على موضة وأناقة تلك الأيام.

محمد السادس بلحية الشباب:
أما محمد السادس فقد اعتلى العرش حليقا، وما لبث أن ظهر باللحية، تارة يتركها تؤطر الوجه كله، وتارة يقوم بتحفيفها، وهو الملك المغرم بموضة الشباب وبملابسهم الحديثة، وعلى موضتهم يعفي لحيته.
***

زفزاف الفيلسوف الهيبي والخوري البوليفاري وشكري الميت الحليق:

اقترنت صورة الكاتب محمد زفزاف وصديقه الكاتب إدريس الخوري بلحيتهما، نادرا من شاهد صورا للكاتبين وهما من دون لحية، حدث ذلك في سنوات تعود لفترة شبابهما. وتظهر صورة نادرة بالأسود والأبيض الكاتبين مع صديقهما محمد شكري، ولا أحد منهم ملتح، جالسين على رصيف مقهى في طنجة يشربون الليمونادة. سيحافظ محمد شكري على حلاقة ذقنه كجزء من أناقته الشمالية، ولم يترك لزغب لحيته أن يطول إلا في السنوات الأخيرة، حيث نشرت له صور يظهر فيها بلحية وخطها الشيب. لكنه عاد لحلقها، وقد مات على سرير المستشفى العسكري بالرباط، ذات مساء من شتاء 2003، بعد أن حلق ذقنه.
أما محمد زفزاف فقد اعتمد في فترة من بداية السبعينيات شاربا طويلا بلا لحية، كما في صورة له نشرت عام 1974 في يومية “المحرر”، قبل أن يعتاد على لحية أطرت وجهه النحيل وزادته وسامة وجاذبية.
إدريس الخوري سبق زفزاف في “لبس” اللحية مع الشعكوكة، تركها من دون تشذيب، ويبدو في صور قديمة ضاحكا كثائر من جنود سيمون بوليفار في أمريكا اللاتينية.
***
كانت اللحية في الستينيات المنصرمة من القرن الماضي تحيل على اليسار والثورة والتمرد، لحية تشي غيقار ورفيقه فيديل كاستور مثالا. كما حضر أعضاء البيتلز بلحاهم، رينغو ستار وجون لينون وجورج هاريسون، في حين ظل رابعهم بول ماكرتني حليق الذقن، وبعد رحيل الثلاثة هو الباقي على قيد الحياة من “أولاد ليفربول الأربعة” حتى اليوم.

كان زفزاف يشذب لحيته بين حين وآخر، يقف أمام مرآة الحمام في بيته وبيده مقص صغير خاص بشعر اللحية، أو ينزل عند الحلاق السي بوشعيب صاحب “صالون الرياضيين” الذي كان يقع ببداية زنقة ليستيريل من جهة شارع ابراهيم الروداني، الزنقة التي سكن بها في المعاريف. مع السنوات تبدلت لحية زفزاف من لحية هيبي وثائر متمرد، إلى لحية مثقف ملتزم وفنان، أو لحية فيلسوف، كما سماه أحد الجيران في تلك السنوات، عندما سألني عنه مرة بالمعاريف، دون أن يسميه، لما استفسرته فهمت أنه يقصد محمد زفزاف. ثم وصل في آخر الأمر إلى لحية تشبه لحى الكهان البوذيين ورهبان “سقف العالم” التيبت، وقد تحول إلى الإكثار من ترديد عبارة: “الله كبير..”.

الوجه الأخير لزفزاف:

آخر مرة التقيت فيها زفزاف، كانت بزنقة جورا في المعاريف، قبل سفره الأخير إلى فرنسا للعلاج على نفقة القصر. كنت أجلس على رصيف مقهى “لافرامبوازي” مع صديقي المرحوم الشاعر باللغتين العربية والفرنسية، الجمركي أحمد زكي أبو أيوب، حين رأيت صاحب “المرأة والوردة” قادما من بعيد، كان برفقته يمسك بيده صديقنا الأستاذ عبد الرزاق الطريبق، شقيق الشاعر الاستقلالي حسن الطريبق، وكان جارا لنا في الحي قبل أن يتقاعد ويعود إلى مدينته العرائش في الشمال.

لا زلت حتى اللحظة، رغم السنوات الطويلة التي تفرقنا عن رحيل “الكاتب الكبير” كما يلقبه إدريس الخوري، كلما استرجعت وجه زفزاف الأخير يشدني ألم وحزن عليه. أذكر يومها تبادلنا آخر الكلمات، أنهانا زفزاف بدعوته لي أن أزوره في بيته: “تعال في المساء إلى الدار، ستجدني.. ليس لي من مكان آخر أكون فيه”. لكني لم أزره بسبب الوجه الذي أنكرته. وقد ذكرت هذا في كتاب: “صديقي زفزاف.. الغليم والطاووس”، تساءلت حينها ماذا يفعل زفزاف بخروجه على الناس في الشارع بنصف وجه، لقد أكل السرطان فكه الأيسر. وبقيت بضعة شعيرات على الفك الآخر، مفزع ومرعب ومخيف.. كان يخرج كأن لا شيء به. هل نعتبر هذا صبرا وعزيمة وقوة شخصية (؟!)..

لم أشاهد مثيلا لتصرف زفزاف إلا لدى “الوازو”، صديقي الكاتب والشاعر باللغة الفرنسية محمد خير الدين، عندما زرته في مستشفى مولاي عبد الله للأورام وأمراض السرطان في الرباط (1994)، رافقني في تلك الزيارة بسيارته الصديق قاسم الحسيني أستاذ الأدب الأندلسي بكلية الآداب في الرباط. لقد تعامل محمد خير الدين مع السرطان، مثل تعامل من به زكام خفيف، لم يبك كما رأيت صديقي العربي باطما (ناس الغيوان) يجهش أمامي بالبكاء والدمع الحار، لما اضطر للتعايش مع سرطان الرئة أكثر من عامين قبل رحيله. إذ تساقط شعر باطما كله نتيجة خضوعه للعلاج الكيماوي، وظل شاربه الكث وحده نابتا على وجهه الذي نحل، فمجموعة “ناس الغيوان” كان علال يعلى هو الوحيد الملتحي من أفرادها بعد رحيل المؤسس بوجميع صاحب الصوت النادر واللحية المميزة أيضا.

Leave A Reply