كورنا والحاجة لإصلاح المناهج التعليمية لمواجهة عالم مركب

0

كوفيد 19 فرض مغامرة جديدة ، مغامرة غير منتظرة، جعلت الإنسانية في وضعية عدم اليقين بشكل كبير حسب تعبير ادغار موران .هدا اللايقين هو نتيجة لتعقيد هده الكائنات المجهرية والدي يجب أن يواجه بفكر اللايقين. كوفيد19 صرخة ضد قصور معرفتنا في مواجهة اللايقين والأخطار الدائمة.

بقلم محمد حمزة

إدا كان الإلحاح على إصلاح برامج المواد الأدبية و العلوم الإنسانية و الاجتماعية مطلبا جوهريا للتصالح مع ” الذات ”
و ” الآخر ” بالتأكيد على مركزة المعرفة والارتقاء بالهوية بالعلم والمعرفة، فإن تغيير طرق تدريس العلوم “الحقة ” بشكل يمكن التلميذ و الطالب فهم حقيقي لطبيعة الظواهر الفيزيائية و الكيميائية و البيولوجية لا يقل ملحاحية .

يجب أن يكتشف الأطفال العلوم في سن مبكر و ينبغي أن ندرس العلوم في شموليتها دون وصاية أو اعتراض على القضايا العلمية ” التي نعتبرها المزعجة “، حسب تعبير الكاتب نبيل العربي ، بل يلزم تدريس كل النظريات العلمية و مسائلتها و تفسيرها.

يجب علينا أن نعيد النظر جدريا في سياستنا التعليمية و نخلص البرامج المدرسية والجامعية من طابعها اللاعقلاني التقليداني لا علاء شأن العقل و العلم ؛ وهذا يتطلب إعادة النظر بشكل جدّي في مناهج التعليم، والعمل الحثيث على إصلاح النظام التربوي من الابتدائي الى العالي والاهتمام بفحوى برامجه ،للتمكين من بناء الإنسان ، وصناعة المواطن، بالقطع مع الاصلاحات التقنوقراطية في بلادنا .

إن تقويم الأخطاء وسلبيات وانحرافات تطبيق اصلاحات التعليم المدرسية والجامعية ، على أرض الواقع يتطلب إعادة النظرة في المقاربة الظرفية والتقنية والإنتقائية وذات الأصل التجاري، بمقاربة ديمقراطية حداثية .إن دمقرطة وتحديث مجتمعنا يمر عبر دمقرطة وتحديث نظامنا التعليمي من الإبتدائي إلى التعليم الجامعي. وهذ يتطلب سياسة وطنية ارادوية وجريئة واضحة ومحددة للبحث العلمي وإعطائه المكانة التي يستحق ودمجه في مخططات التنمية.

ففي نقد الأساس المعرفي للمنظومة التربوية الحالية، يقول المفكر الفرنسي ادغار موران، باننا ندرِّس اليقين في مناهجنا ولا ندرِّس اللايقين والمحتمَل والمفاجئ.

اللايقين والمحتمَل يشكلان جزءًا تصميميا من حياة كلِّ واحد منَّا منذ ولادته.اللايقين يؤهَّل لمواجهة مفاجآت الحياة وهذا يتطلب ضرورة معرفة كيفية بلورة الإستراتيجية ( هنا يميز ادغار موران بين الاستراتيجية والتخطيط).

فادا كان البرنامج يحدِّده مرة واحدة، وبصفة نهائية، ليطبَّق بحذافيره، فإنه ينبغي جعل خطة العمل مرنة لإدماج المعلومات والمعطيات بحسب الشروط والمفاجئات والطوارئ عندما يتعلق الأمر بمجال متحرك للفعل. إن مغامرة البشرية تسير دائمًا في اتجاه المجهول، وليس لنا سوى المراهنة أو الاستراتيجية يضيف الكاتب .

كل شيء تغير في القرن العشرين يقول المفكر الفرنسي البير جاكار ؛ نظرتنا للمادة وتركيبتها الذرية تغيرت ونظرتنا للزمن تغيرت وكذلك نظرتنا للتصور الحراري والحياة والكون والمجرات وآفاق الفضاء وأعماق المحيطات.. ولكن للأسف فان الجمهور العام لا يحس بذلك لان التعليم لا يركز عليه كثيرا. هنا يكمن نقص برامج التعليم او قصورها. ينبغي أن نعلم التلاميذ النظرية الذرية فيما يخص تركيبة المادة غير الحية،و ان نقول لهم بان نواة الذرة ليست اصغر جزء في المادة وإنما هناك ما هو اصغر منها ويدور حولها كالبروتون والنيوترون، بل وحتى هذه تنقسم إلى دقائق اصغر أيضا تدعى الكواركز..

الفيلسوف الفرنسي إدغار موران

باختصار ينبغي أن نشرح لهم النظرية الذرية في خطوطها العريضة، كما ينبغي أن نشرح لهم النظرية الخلوية فيما يخص علم البيولوجيا والوراثة لكي يعرفوا تركيبة الإنسان بشكل دقيق، ينبغي أن يعلم الناس بان الطب حقق في القرن العشرين قفزات هائلة وأصبح علما دقيقا بالكامل وهذا ما ساعد على التخفيف من آلام البشر ومعالجة أصعب الأمراض بفعالية ونجاح.

اليوم وبفضل المجهر الإليكتروني أصبح بإمكان الأطباء أن يصوروا الأحشاء الداخلية لأي إنسان ويرونها بكل وضوح كما لو أنها أمامهم! وهذا ما يساعدهم على تشخيص أي مرض ورؤية موقعه بدقة وبالتالي علاجه بأسرع وقت ممكن..

هناك أيضا سلبيات وكوارث وقعت ، فاستعمال العلم للتنافس الاقتصادي زيادة على الاستهلاك بدون حدود والاستنزاف المفرط للطبيعة والاعتداء المستمر على النظام البيئي الدي سبب جائحة كورونا وهذا يتطلب تريخ وعي بيئي . فالإنسانية لن تواجه النفاد المستقبلي لبعض الثروات الطبيعية فحسب ، بل ستواجه تدمير الموارد الأساسية لحياة الإنسان كالتربة . والماء والهواء والمحيط الجوي والطقس….

نحن في حاجة لتعلم شرطنا الإنساني، يقول ادغار موران ، أي ما نحن عليه من أحوال، باعتبارنا كائنات إنسانية. وهو موضوع مهمل، ليس فقط من طرف العلوم الاجتماعية والإنسانية والتاريخية، بل حتى من طرف العلوم الدقيقة، لأن جزءًا هامًّا من النشاط الإنساني يندرج ضمن موضوعات هذه العلوم الأخيرة، باعتبارنا حيوانات تنتمي إلى الثدييات، بل وحتى بالنسبة إلى العلوم الفيزيائية والكيميائية. فنحن نعرف اليوم أن الحياة هي تنظيم لعناصر فيزيائية–كيميائية، جزيئات تتكون من ذرات.

إن جزءًا من الوضع الإنساني هو واقع فيزيائي–كيميائي. ولكن تدريس هذه العلوم مفصولةً بعضها عن بعض يجعلنا لا ندرك هذه الروابط وتشكيلها للإنسان، على الرغم من أن الواقع الفعلي لوجوده يعكس التحام هذه العوامل وانصهارها فيه. فبفضل تطور علم الفلك وآليات الرصد والتتبع، على المستويين الماكروفيزيائي والميكروفيزيائي، نعرف أننا نحمل في جسمنا جزيئات يرجع تاريخها إلى الثواني الأولى من ميلاد الكون. فكياننا المادي يحمل ذرات من الكربون تكونت في قلب نجوم سابقة على شمس منظومتنا؛ وبعد انفجارها (النجوم)، تشتتت هذه الذرات و/أو تجمعت في الكوكب الصغير الذي نسميه اليوم الأرض. كما نعرف اليوم أن العناصر الأولية تراكبت حتى توفرت شروطُ ظهور الحياة.

المادة البيولوجية الإنسانية انطلقت من الأرض و الإنسان ومعه سائر ما هو موجود في هذا العالم هو نتاج تاريخ طويل بدايته “الإنفجار الكبير”، و فكل ما هو موجود في هذا الكون هو الإبن الشرعي للغبار البدائي لهذا “الإنفجار الكبير”.إن التطور المبدع واللاتنبئي فتح الباب للإنتقال من البسيط إلى المعقد(المركب).

أي من الجزئية العضوية البدائية الأولى إلى الجزيئات العضوية المعقدة إلى… إلى الكائن الحي الذي يملك حاسة الشم والبصر والسمع، لقد انتقلنا من التشابه البدائي البسيط إلى التنوع المنظم والمعقد. والدي اختصرها داروين في جملته العالمة ” الهياكل اللامتناهية “. والوعي أيضا لم يكن هو الأخر خروجه فجائيا ، بل خروجا ببطئ رغم أن هذا الخروج لم ينته بعد .

لقد أصبح الكون حسب النظرة العلمية الحديثة الآن يسير نحو إنتاج هياكل جد معقدة ( مركبة ). ويبقى الجسم الأكثر تعقيدا هو دماغ الإنسان٬ المكون من ملايير النورونات و ملايين الملايير من التوصيلات.

العالم المحيط بنا هو غاية في التعقيد والتركيب و مملوء بأشياء عجيبة و مدهشة٬ فحبة صغيرة تصبح شجرة كبيرة٬ و الزوابع تمسح المحيطات بشكل دائم٬ أما البراكين فتؤنبنا لما تنفجر و ترش الأرض بشلالات من السوائل…

التعقيد( التركيب ) موجود في كل مكان و تعميمه يمكن أن يكون عملا تتلاقى فيه حقول معرفية مختلفة كالفيزياء٬ و السوسيولوجيا ٬و المعلوميات٬ و الذكاء الاصطناعي٬ و البيولوجيا… الخ. لكن و لحد الآن فالطرق المؤدية لنقط الالتقاء المحتملة تبقى غير واضحة بشكل جيد٬ لكن بعض الأبحاث الأولية يقول المفكرالفرنسي برنارد ياسبانيات تبدو اليوم وعادة بالتقدم.

إن فكر التعقيد ( التركيب )هو تجاوز للإفراط في القوانين الكلية التي تبناها علم القرن 17 و 18، فالعلم الكلاسيكي قام بعمل جبار في مناهضة مقولة الكل لغز ” كمسلمة لعلوم ماقبل الحداثة٬ و الآن نعرف الثورة التي خلقها التصدي لهذه المقولة.
فتشتيت اللغز في الحياة العادية يحرض على الكسل الثقافي٬ و الاعتقاد باللغز ينشر الثقة العمياء في الشعوذة و الدجل و بالتالي ينجم عن هذا فكر التعصب بنتائجه الكارثية.

العلم الكلاسيكي سقط هو الآخر في اختزال علموي ،ناصر و لو بخجل ” الكل واضح” يضيف دي اسبانات و الذي يوهم بأن بضع كلمات بسيطة كافية للجواب على الأسئلة الجوهرية التي تواجه العلم الآن . إن مناهضة فكرة «الكل لغز» ، يقول المفكر الباريزي برناردي اسبانات” ،لا تعني أن « كل شيء واضح »٬ كما أن القطيعة مع المعرفة التامة والأمينة لا تعني « كل شيء غامض» . فالتعميم يؤدي في بعض الأحيان إلى « اللا معلومة » حيث يسرب الإنسان داخل نموذج علموي سيماته مبادئ أولية بسيطة و يقودنا وبسهولة إلى تمويه « بساطة مصطنعة» على «تعقيد/ تنوع» لا محدود لعالم حقيقي.

إن تطور العلم الفيزيائي الحديث أفضى إلى تعقيد الواقع. فبذلا من البساطة الفيزيائية والمنطقية المفترضة تم اكتشاف التعقيد المايكرو فيزيائي في أقصى حدوده : فالذرة ليست الحجرة الأولى بل هي تجمع لمكونات عديدة معقدة غير قابلة للتمثيل ٬كما أن الكون سيرورة في طور التفكك والتنظيم في آن واحد .

يرى ادغار موران في التعقيد ظاهرة كمية للتفاعلات والتداخلات بين عدد كبير من الوحدات ،كما هو الحال في الذرة والخلية حيث تشمل الواحدة على عدد من الايقينيات و اللا تحديدات والظواهر الصدفوية. إن التعقيد هو ذاته اللا يقين وهذا نفاد للحتمية في العلم الكلاسيكي.

إن المايكرو فيزياء لم تفتح الطريق أمام علاقة مركبة بين الملاحظ الملحوظ فحسب ، ولكن فتحت الطريق أيضا على مقولة مركبة ومظللة جدا وهي الجزيئة الأولى التي تقدم نفسها للملاحظ تارة كموجة وتارة كجسيم . إن للتعقيد دائما صلة بالصدفة ، إنه اللا يقين بعينه المترسخ داخل الأنساق المنظمة بشكل ثري . إنه مرتبط بنوع من الخليط العميق بين الاستقرار والاختلال.

تحن في حاجة لتغيير البرامج والمناهج لانجاز الثورة المعرفية والثورة التكنولوجيا الحديثة والرقمية لمواجهة تركيب العالم وتركيب(تعقيد) المعرفة ولا يقينيتها .

النموذج القديم لتدبير المعلومات أصبح متجاوزا، مما يتطلب إصلاحا جوهريا في طرف تفكيرنا وتدبيرنا السياسي و تعليمنا وفي بحثنا العلمي وبناء انمودج معرفي مستنير ومتجدد، إننا الآن أحوج للمعرفة من غيرنا ، فهي الوحيدة الكفيلة بانتشالنا من كبواتنا المتتالية، لجعلها سلاحا ضد اللاعلمية المتفشية في مجتمعنا، ومدخلا لتأصيل الخطاب التنموي ، ووسيلة إلى تسريع حركة التنمية باستحداث بدائل مبتكرة لتعويض التأخر وحرق المراحل .ان بلادنا مدعوة لان للعبور الى مجتمع المعرفة الذي يتطلب إرادة سياسية وإصلاحات هيكلية متضامنة لبناء دولة العلم والمواطنة .

Leave A Reply