عن اللاشيء…للحائرين والحالِمينَ بِوَطَنِيّاتٍ جَديدَةٍ.. اليوم مع “وَطَنِيّاتٌ تَعَدُّدِيَّةٌ حَديثَةٌ”..الحلقة3

0

تقْتَرِحٌ “عَنِ اللاَّشَيْءِ…” بعضَ التَّأَمُّلاّتِ في فكرِ الوَطَنِيّاتِ المُتَخَيَّلِ، وفي عناصِرِهِ الثَّقافِيَّةِ والفَنِّيَّةِ والإِنْسانِيَّةِ في الْحَجْرِ وَبَعْدهُ؛ ونورِدُها في:
– لاشَيْءَ..
– وَطَنِيّاتٌ أُحادِيَةٌ بِدائِيَّةٌ..
– وَطَنِيّاتٌ تَعَدُّدِيَّةٌ حَديثَةٌ..
– وَطَنِيّاتٌ مُتَشَظِّيَّةٌ يائِسَةٌ..

تأملات قاسم مرغاطا (الحلقة الثالثة)

وَطَنِيّاتٌ تَعَدُّدِيَّةٌ حَديثَةٌ..
ــــــــــــــــــــــــــــــ

كيفَ يُمكنُ أنْ نُبلْوِرَ، في زمنِ الجائحةِ، وطنيّاتٍ تعدُّدِيَّةً خفيفَةً وزهيدَةً تُمثِّلُ عيْشَنا الصغيرَ، وقَلَقَنا الكبيرَ، وخَوْفَنا الإنسانيِّ، وأنْ نرى فيها الكثيرَ من الحبِّ النّاقِصِ والمُتْعَبِ والخائِفِ والمُترَدِّدِ، لكنَّه الحُبُّ المُتَجَدِّدُ بألوانِ الفراشاتِ العابِرَةِ، وبِبُروقِ الأملِ اليسيرِ في جمالِ السهلِ والجبلِ، وفي تردُّداتِ الخصوبَةِ والجفافِ…؟
قدْ نكتشِفُ، اليومَ في خوفِنا وقلقِنا، وطنياتِ العطشِ للأمومةِ وللاستمراريةِ وللحياةِ، وللتحرُّرِ من الصُّوَرِ النمطيَّةِ الظَّالمةِ.. قدْ نكتشفُ وطنيّاتٍ مُحِبَّةً لا توقِفُ الفكرَ والتأمُّلَ ولا تُخَفِّضَ التوتُّرَ، بلْ تُضاعِفُهُ وتُضَخِّمُهُ بلا حَدٍّ وبلا ضفافٍ، ما دُمْنا نتصوَّرُ أنه ليسَ هناكَ منِْ حبٍّ كاملٍ وتامٍّ ونهائيٍّ في الوطنيّاتِ الْخَفيفةِ.. وطنيّاتٍ لا تَقْبَلُ أن تكونَ انعكاساً لفصْلٍ واحدٍ، ولونٍ واحدٍ، وحُلُمٍ واحدٍ، وانتماءٍ واحدٍ، ومرْجِعٍ واحِدٍ…
كما يَتَمَثَّلُها بعضُ السِّيّاسيّينَ الانتهازيّينَ والقدريِّينَ.. إِنَّها وطنيَّاتُ الحياةِ والأحلامِ والألوانِ والآفاقِ الواسعةِ، لا وطنيّاتِ الخطابِاتِ والشِّعاراتِ والتَّجْريداتِ.. وَطَنِيّاتٌ لا أَوْثَانَ فيها، ولا يُسْمَحُ فيها بتحويلِ الحياةِ إلى حُطامٍ..

نُدركُ، اليومَ تحت الحجرِ، أنَّ الرهانَ الجوهريَّ والعميقَ الذي يمكنُهُ أن يخترقَ جدارَ الوِصايةِ العجيبةِ على إنسانيَّتِنا المُستباحةِ في هذه اللَّحظةِ المَحْجوزَةِ، الالتفاتُ إلى الوقائعِ المُتَسارِعَةِ والخفيَّةِ، والتَّمْريناتِ السياسيَّةِ الجديدةِ الغريبَةِ والمُسْتَفِزَّةِ دونَ مُواربةٍ أو خَوْفٍ أو توجُّسٍ، لطرحِ الصَّوتِ المَحْجوزِ في غُرْفَةٍ فارغةٍ، وفي حَجْرٍ رمزِيٍّ عنيفٍ.

أَلَمْ يحنِ الوقتُ للاستقلالِ عن الوطنيّاتِ البدائيَّةِ المثاليَّةِ الصّالحةِ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ للبحثِ عن أُفُقِ وطنيّاتٍ جديدٍ؟ أَلَسْنا، اليومَ تحت الجائحةِ، مطالبينَ بالاستقلالِ عن شرعيّاتِ وطنيّاتٍ بدائيَّةٍ ثقيلَةٍ ومُكَلِّفَةٍ بِوَساطَةِ مصادرَ سياسيَّةٍ منتهيَّةِ الصَّلاحيَّةِ وفارغَةٍ من أيِّ تصوُّرٍ للحاضرِ وللمستقبلِ، والتي رُبَّما، تبدو غالبيَّةُ استعاراتِها عديمَةَ الجاذبيَّةِ، وقدِ اسْتَنْزَفَتِ الوطنَ والمواطنينَ معاً من كثرةِ التفاتِها إلى الماضي المُنْقَضِي، أوْ إلى التاريخِ المُؤَسْطَرِ، وضِمْنَهُما استمرارُ إنتاجِ قيمٍ عموديَّةٍ تتأسَّسُ على الاستجابةِ المطلقةِ والقبولِ التّامِ والرضوخِ الطوعيِّ، لأنَّ الأمرَ مُتَّصِلٌ بالأوطانِ؟ كيفَ، إِذَنْ، نستطيعُ أنْ نعيشَ في وطنيّاتٍ بدائيَّةٍ متعاليَّةٍ بلا ملامحَ أوطانٍ خفيفَةٍ وظليلَةٍ وإنسانيَّةٍ، وأنْ نستجيبَ لوطنيّاتِ هي، في جوْهَرِها، مجرَّدُ استعارَةٍ لتدْوِيرِ القدريَّةِ والمحافظةِ والتقليديَّةِ بدونِ فاعليَّةٍ تاريخيَّةٍ مستقبليَّةٍ ؟
ألا يمكنُ أن نحلُمَ، في سياقِ الحَجْرِ والحَجْزِ، بأنْ نصيرَ وطنيِّي الخفَّةِ والحَيْرَةِ والحُلُمِ والتَّعَبِ واليُتْمِ والفقْرِ، والذين بإمكانِهِمْ أنْ يُبَلْوِروا نظراً مختلفاً عن الوطنيِّينَ التاريخيِّينَ الذينَ ظلُّوا أوفياءَ وَمُخْلِصينَ لرأسمالِ مرحلةٍ سابقةٍ ووجدانٍ جماعيٍّ سابقٍ يَقْتاتونَ منه إلى الأبدِ، وليسَ لهمْ أيُّ مقترحٍ لأُفُقٍ قادمِ، وَمَعَهُمْ استمرارُ أحفادِهِمْ وأقارِبِهِمْ ومُريديهِمْ وأطُرِهِمْ وتنظيماتِهِمْ، ومنْ يدورونَ في فَلَكِهِمْ لُهاثاً وطُموحاً عجيباً في احتكارِ الوطَنيَّة والنِّضالِ والتاريخِ..؟

ألا يُمْكِنُ أنْ نَهْجُرَ الوطنيّاتٍ البدائيَّةِ الأولى التي أَنْتَجَتْها مرحلةُ مواجهةِ الاستعمارِ، والثانيةَ التي أَفْرَزَتْها مرحلةُ الاستقلالِ، وأنْ نحْلُمَ بوطنيّاتٍ ثالِثَةٍ، بعدَ الحجرِ، أساسُها الخِفَّةُ والمرحُ والخيالُ والجمالُ والحرِّيَّة والعملُ والمثابرةُ والعلمُ والتعاقدُ الحديثُ بين الدَّوْلَةِ والمواطنينَ..؟

لابُدَّ، إذنْ، من مغامرةِ مساءلةِ الوطنيَّاتِ السابقَةِ كما تُقَدِّمُها حواملُ السُّلْطةِ والسيّاسةِ والإعلامِ والأحزابِ والنقاباتِ والهيئاتِ المجتمعيَّةِ… باعتبارِ هذهِ الوطنيّاتِ فضاءً فكرياً ووجدانيّاً ورمزيّاً مشتركاً وجبَ تحريرُه مِمَّنْ جعلوهُ ثقيلاً وذابلاً، وحوَّلوهُ إلى مصدرٍ لشرعياتٍ سياسيَّةٍ مُتجاوزةٍ، ورأسمالاً لمستقبلٍ سياسيِّ حاقدٍ على الاختلافِ والتعدُّدِ والتنوُّعِ، وهيَ في غالِبِها شرعيّاتٌ مُتعاليةٌ على التاريخِ الحديثِ، وعلى الوطنِ ذاتِهِ، لأنَّها تُقْصِي الشرعيّاتِ الأُخْرى المُمْكِنَةِ، ومنها شرعيَّةُ الوطنيّاتِ الثّالِثَةِ التي تتبلورُ في الحاضرِ والمستقبلِ، ولأنَّها تَئِدُ أصواتَ الفاعلينَ الجددَ شباباً ونساءً وهوامشَ، وتُعْدِمُ جميعَ التعبيراتِ الثقافيَّةِ والفنِّيَّةِ الجديدةِ التي صاغتها تجربةُ القلقِ والشَّكِّ والنَّقْدِ والافتراضِ والتخيُّل في زمنِ الجائحةِ..

الرِّهانُ، اليوم في الْحَجْزِ، الاستحواذُ على الوطنيّاتِ الثّالِثَةِِ المنهوبَةِ في خطاباتٍ سياسيَّةٍ تقليديَّةٍ ومُرْتَبِكَةٍ وَفَضْفاضَةٍ، لاكتشافِ آفاقِ الشَّرْعيّاتِ المتعدِّدَةِ الْمُمْكِنَةِ، ومعهُ الاستحواذُ على التاريخِ المنهوبِ والمهرَّبِ في زمن سياسيٍّ رديءٍ…

في الوطنيّاتِ الجديدةِ التي نطالبُ بها، في الحَجْزِ وَبَعْدَهُ، يظهرُ المواطناتُ والمواطنونَ فاعلينَ تاريخيِّينَ في حاضرِهِمْ ومُستقبلِهِمْ.. فقبلَ عقدٍ تقريباً، تجلَّتِ بَوادِرُ ديناميّاتِ هذه الوطنيّاتِ الجديدةِ الثّالِثَةِ والمتعدِّدةِ في الميادينِ والسّاحاتِ العُموميَّةِ احتفاءَ بأوْطانٍ تَنْشُدُ أَصْواتَ الحرِّيَّةِ الخالِدِ والحلُمِ النّادِرِ.. واليومَ، وبعد الحجزِ في الدّاخِلِ يُمكنُ أنْ تتجلَّى هذه الوطنيّاتُ الجديدةُ العاريَّةُ من أيِّ إطارٍ أو شرعيَّةٍ جاهزةٍ وتَتَمَظْهرَ في العالمِ الرَّقْمِيِّ، وفي الفَضاءاتِ الافتراضيَّةِ بكل حرِّيَّةٍ وجُرْأَةٍ… وطنيّاتُ مواطناتٍ ومواطنينَ يظهرونَ بأصابِعِهِمْ وبأسمائِهِمْ الفرديَّةِ، فقطْ، مُتَّكِئينَ على اللُّغَةِ القصيرةِ، وعلى الشِّعرِ، والموسيقى، والسّينما والملصقاتِ والمونوغْراماتِ، والرَّسْمِ، والتَّشْكيلِ، واللَّعِبِ الصُّوريِّ، والنُّكْتَةِ، والكاريكاتورِ… ومَعَهُمْ تستعيدُ الوطنيّاتُ الجديدةُ والحالمةُ والمٌنْتِجَةُ تفاصيلَ الحياةِ الموبوءَةِ تحت الجائحةِ… وتفتحُ الجراحاتِ الرّاهِنَةِ المتنوِّعَةِ والمتعدِّدَةِ لِلُغاتٍ مُنْشَطِرَةٍ، ومحكيّاتٍ ساخرةٍ، وأحاسيسَ مُتضارِبَةٍ حول المصيرٍ والنِّهايةِ… وطنيّاتِ التَّشَظّي والخوْفِ والتَّرَقُّبِ بلا يَقينٍ.
لعلَّهُ، الإحساسُ المريرُ بأنَّ أشياءَ ما اختفتْ، في الحجزِ، ولم يعدْ يتحدَّثُ عنها سوى سياسيٍّ فاقدٍ للبوصلةِ، ومُتَرَنِّحٍ في الاختياراتِ المَصيرِيّةِ.. رُبَّما، اختفاءُ الطُّمَأْنينَةِ والسُّكونِ والثِّقةِ والرَّتابةِ والاستقرارِ.. ولعلَّ هذا الاختفاءَ للوعودِ المَعْسولةِ فرصةٌ جديدةٌ لصعودِ أشياءَ أخرى أو لاشيءَ، قدْ لا تَحْمِلُ الطُّمَأْنينَةَ والاستقرارَ، ولكنَّها، قد تُفْرِزُ إنسانيَّةً جديدةً لم نتذوَّقْ طَعْمَها منذُ زمنٍ بعيدٍ في معاني الحياةِ التي اسْتَقَرَّتْ في وجدانِنا وعقولِنا وطالَ أمَدُها وصَدِئَتْ.. أَلِهَذا الحدِّ صارتِ الأَوْطانُ رأسمالاً خاصاً لحزبيَّةٍ ضيِّقةٍ، أوْ شرعيَّةٍ سياسيَّةٍ مُغْلقةٍ بلا أفُقٍ وطنيّاتٍ مفتوحٍ على التَّعَدُّدِ والحرِّيةِ والكرامةِ والانتصارِ للمُهَمَّشِ والمَغْبونِ والمَظْلومِ والمَحْكورِ.. وهذا ما يُرعِبُ أكثرَ من الجائحةِ ذاتِها؟
الوطنيّونَ الجدد، في الحجزِ، يعودون بأفقٍ للوطنيّاتِ جديدٍ… وفي ملامِحِهِمْ الرفضُ للتاريخِ المُغْلَقِ والتّامِ، وللوَصايا المتعاليَّةِ، بتوقيفِ ترقياتِهِمْ المُسْتَحَقَّةِ، والاقتطاعِ من أُجورِهم دونَ استشارةٍ، وخنْقِ حُرِّياتهمْ، وفي المُقابلِ السعيُ إلى دعمِ قطاعاتِ الخَوْصَصَةِ الصِّحِّيَّةِ والتَّعْليميَّةِ والصِّناعيَّةِ والتِّجاريَّةِ والإعلاميَّةِ، وتوقيعُ مراسيمَ الرِّيعِ المؤسَّسِ لمجالسَ في الصحافةِ وفي غيرِها من الأطرِ والمؤسساتِ والجهاتِ التي تعيش الوطنيّاتِ ريعاً ومظلوميَّةً، لا نضالاً وكِفاحاً وَتَضْحِيةً… لا، للصَّمْتِ عنِ التَّمْييزِ والتَّفييءٍ.. نعمْ، لوطنيّاتِ المُساواةِ والعَدْلِ والعملِ والاجتهادِ والبَذْلِ والتضحيَّةِ…

الحلقة القادمة:

Leave A Reply