نجيب كومينة يكتب: برحيل الصايل يفقد المغرب معلمة وطنية أشاعت الأنوار على مدى 60 سنة تقريبا

0

بقلم الصحافي محمد نجيب كومينة

كان الأستاذ القدير والمثقف المستنير ذي المعرفة الموسوعية المؤطرة بمنظور فلسفي متناسق. وكان الناقد السنيمائي والسيناريست والرجل الذي أاعطى للإنتاج السنيمائي بالمغرب أفقا جديدا سواء لدى توليه للمسؤولية في قنوات التلفزة المغربية أو الفرنسية أو في المركز السنيمائي المغربي، وكان قبل ذلك قائد النادي السنيمائي بالرباط و الجامعة الوطنية للاندية السنيمائية التي طبعها بثقافته وجديته وعمله الدؤوب في مرحلة ازدهرت فيها الأندية السنيمائية بالمغرب وشكلت مدرسة حقيقية للمعرفة والتذوق الفني والا رتقاء بالوعي والنقاش المنضبط لقواعد الاختلاف والحوار الديمقراطي ولا خذ الكلمة امام الجمهور.
على الصعيد الشخصي، التقيت بأستاذنا نور الدين الصايل لأول مرة بالنادي السنيمائي بالرباط (سنيما الملكي، اذ كان هناك ايضا ناد باكدال) في سبعينات القرن الماضي، واقتربت منه اكثر في المهرجان الاول للسنيما الافريقية سنة 1977 الذي كان مبادرا بإطلاقه  ورعايته سيرا على نهج صديقه التونسي الطاهر شريعة الذي كان وراء انطلاق مهرجان قرطاج، لكن علاقتنا تطورت وتوطدت بعد ذلك، حيث ساندني في تنظيم يوم الأرض في أطار مهرجان مسرح الهواة بمراكش سنة 1979، و سلمني النسخة الوحيدة من فيلم “كفر قاسم” التي تتوفر عليها الجامعة الوطنية للأندية السنيمائية عن طريق محمد اشويكة، وبرمجنا عرض الفيلم بسنيما بلاص في الظروف التي كانت مشحونة بعد التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد والتي كان من ضحاياها الشهيد محمد كرينة باكادير.

كانت القضية الفلسطينية حاضرة باستمرار في الانشغالات اليومية لنور الدين الصايل الذي لا يعرف الكثيرون أنه ساهم في تأسيس اليسار السبعيني وبالاخص 23 مارس وكان على ارتباط وثيق بقياداته الاولى كأحمد حرزني

و جمعتنا بعد ذلك تجربتان

تجربة جريدة أنوال التي كان يشرف على صفحتها السنيمائية، بعدما اقنعه طالع السعود الاطلسي بذلك، وكنت دائم التنسيق معه في اعدادها وترجمة بعض موادها، مثلما كنت انسق مع الرائع والكبيرالاخر محمد القاسمي فيما يتعلق بصفحة الرسم (القاسمي لم يكن يحب تسمية الفنون التشكيلية)، و الموسيقي القدير محمد الرايسي، الذي كان مشرفا على صفحة الموسيقى، والمسرحي الكبير محمد مسكين الذي كان يعد صفحة المسرح، بعدما تمكنت من انهاء تردده.
والتجربة الاخرى جاءت بعد تكليفه من طرف وزير الإعلام  في بداية ثمانينات القرن الماضي الدكتور عبداللطيف الفيلالي، بعد استشارة مع ابرز مثقفي البلد وقتئذ، باصلاح التلفزة المغربية، حيث لم يرغب الصايل في أن يكون مديرا واصر على التكفل بالبرامج فقط مما دفع بالوزير الى تعيين مدير البث وقتئذ السي ناصر مديرا اداريا والاستاذ الرائع محمد لسلامي، استاذ السمعي البصري في المعهد العالي للصحافة والخبير الاممي بعد ذلك، مديرا للاخبار.

وكان الأمر يتعلق بأكبر  عملية إصلاح وانفتاح للتلفزة المغربية، بعد محاولة أولى للوزير المثقف محمد العربي الخطابي، حيث اوقف الفيلالي بث أنشطة  العمال والوزراء والبرقيات الملكية وكل ما لايتضمن خبرا حقيقيا.

في هذه الظروف طلب مني الاستاذ نور الدين الصايل الالتحاق به لمساعدته، فاستجبت. وبدأت الاشتغال معه، وكان أول تكليف هو تاطير برنامج “شواهد من الماضي” ، الذي كان يعده الصديق المرحوم الرفاعي، لأإخرجه من طابعه الاذاعي و استغلال الوثائق البصرية التوثيقية والتاريخية لتحويله الى برنامج تلفزي، وهو ماكان بسرعة بفضل وثائق تم الحصول عليها من خارج المؤسسة وتركيبها الجيد من طرف العبقرية فتيحة بياضي و وإعداد ديكور جديد بمساعدة الجغرافي محمد عياد، الاستاذ بكلية الاداب بالرباط وقتئذ، كما كنت أساعده في أشياء اخرى. ومند التحاقي به بدات الحروب من طرف المافيا التي كانت تستهدف الاستاذ الصايل أكثر مما تستهدفني، وكانت ترغب في استعمالي ورقة للضغط عليه، بحيث قام المسؤول الإداري المحجوب ومعه مساعده بنيس بكل ما يمكنهم القيام به لعرقلة التحاقي إداريا ، و كانت الشرطة في الباب تختلق المشاكل لعرقلة دخولي وجعل المرحوم يتدخل كل مرة، وكان الشرطي وكاتب الكلمات سباطة يعتدر لي في كل مرة، لأان  الأمر يتجاوزه.

و قد حاولت المافيا في الاخير ايجاد مقلب عندما اتصل وزير الاوقاف وقتئذ المكي الناصري للمطالبة بوقف بث مسرحية المقامات للفنان الكبير الطيب الصديقي، التي اعتبرها “لمسخ” حسب ما قاله لي، وذلك في وقت كان فيه الاستاذ الصايل غائبا، مراهنين على اصطدامي برجل له وزن في الدولة، لكنني اعتدرت له بانني لست صاحب قرار، وبعد بضعة دقائق من توقف الاتصال اوقفت المراقبة (نوضال)،بث المسرحية بعد تلقيها لا وامر من جهة غير معروفة.

بعدها اخبرت الاستاذ الصايل انني ساغادر واخبرته كذلك بما علمته بوسائلي الخاصة بانهم يرغبون في ممارسة الضغط عليه وشغله عن مهمته باستعمال وضعيتي المعلقة، وانا مدين للمرحوم سعد الله، رئيس قسم بوزارة الاعلام وقتئذ الذي اخبرني بما يحاك، لكنه رفض و قرر خوض المعركة باصراره المعروف كيفما كانت النتيجة، لكنني كنت من جهتي حريصا على ان يستمر في اصلاح كبير اعده و بدا التحضير لتنفيذه، لذلك قررت ان احميه مني ومن نفسي، ومن حسن الحظ انني و جدت في اليوم الموالي ان الشرطة قد تلقت امرا بمنعي نهائيا من الدخول، فعدت من حيث اتيت دون ان اخبره بذلك في الحين.
نور الدين الصايل استعان بعد ذلك بمخرجين موظفين بالمؤسسة، المرحوم محمد الركاب وعبد القادر لقطع بالاضافة الى المرحوم ملين كاداري، كما تمكن من جلب مثقفين كمحمد دهان ومصطفى المسناوي ويوسف فاضل الذين ساهموا في اعداد برامج جديدة، لكن المافيا المرتبطة بالبوليس ظلت تترصده الى ان وجدت الفرصة عندما تحدث المرحوم المهدي بنعبود في برنامج، وكان يحكي التاريخ، عن تردد بعض الطلبة المغاربة في تنظيم استقبال لمحمد الخامس لدى حلوله بفرنسا قادما من المنفى بمدغشقر الى ان تتبين نوايا الفرنسيين، حيث جاءت الدي اس تي و اخضعت الصايل للاستنطاق والاستفزاز. وكانت نهاية مشروع اصلاحي لم يتكرر بعد ذلك في دار البريهي التي خضعت بعد ذلك مباشرة للداخلية وصارت ملحقتها التي عمقت فيها جدور ثقافتها المستمرة الى اليوم.
ما أريد  ان أشير إليه هو أنني  وجدت في الصايل ليس فقط المثقف الكبير وصاحب الرؤية البعيدة ورجل التدبير، بل وأيضا الرجل الشجاع القادر على هزم المتخلفين برفعته وشخصيته القوية وقدرته على الإقناع  دون خوف على موقع او امتياز.
تعازي لاسرته، وعلى رأسهم  ابنه المحامي نجيب الذي كانت صورته طفلا تزين مكتب الفقيدالى جانب بعض رسومه.

Leave A Reply