حين كتب جليل طليمات بعد 6 أشهر على انطلاق حركة 20 فبراير .. وقفة نقدية لأجل التصحيح..

0

بقلم الكاتب والباحث جليل طليمات

دخلت حركة 20 فبراير شهرها السادس..وهي في وضع يثير الكثير من الحديث والجدل, حول هويتها وأفقها,وأساليب عملها واتخاذ قراراتها ,وحول الدور المطلوب منها أداءه في المرحلة السياسية الراهنة, بكل ما تفرضه من استحقاقات ومهمات جديدة , فالعديد من القوى و الفعاليات المجتمعية, التي احتضنت هذه الحركة ودعمتها, فكرة وروحا وتظاهرا, ودعت إلى تحصينها وحمايتها من أي توظيف معاكس لأهدافها ومبادئها المحركة لها , ينتابها اليوم, قلق مشروع حول مآلها, الذي خيب الآمال التي علقت عليها في ألأسابيع ألأولى لانطلاقتها .

• كانت الانطلاقة واعدة ومثمرة ..أخرجت المشهد السياسي من ركوده .. بثت الروح في الحقل الحزبي, وحطمت الكثير من “طابوهاته”.. و حررت الإعلام الرسمي لأسابيع ,من تحجره وانغلاقيته.. وساهمت بقوة في تسريع الاستجابة لمطلب الإصلاح ا لدستوري.. ودفعت ببعض وجوه الفساد والتحكم إلى التواري أو الاعتكاف في انتظار هدوء ما توهموه مجرد “عاصفة عابرة”.. وقد شجعت أساليب التظاهر السلمية على انخراط واسع في المسيرات,شمل فئات من مختلف الأعمار والأجيال, وفعاليات مجتمعية متنوعة المرجعيات والتجارب النضالية .. و كانت لبعض المبادرات التظاهرية الجميلة والمعبرة , كتوزيع الورود على رجال ألأمن ,عقب اعتداء 13 مارس بالبيضاء ,وتخصيص أيام للتبرع بالدم , وأخرى لتنظيف ألأحياء الشعبية..دلالات قوية على تشبع الحركة بقيم السلم و التضامن والتسامح .

هكذا انطلقت حركة 20 فبراير: حركة مجتمعية عفوية مستقلة ,بدون انتماء إيديولوجي موحد , محددة سقف مطالبها السياسية في إرساء نظام الملكية البرلمانية,وإسقاط كل أشكال الفساد السياسي والاقتصادي, ما جعل منها امتدادا نوعيا وايجابيا للحركة الديمقراطية التقدمية,ورافدا من روافدها المناضلة من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية .

بعد نحو شهرين على هذه الانطلاقة المفعمة بالآمال والفعالية ,تعرضت فيهما الحركة لأنواع من المضايقات والتحرشات ببعض رموزها, بدأ يدب ويزحف داخلها ,بدهاء وشيطانية ,توجه يحاول فرض هيمنته ونزوعه” الثوري” ألتصعيدي, واختراق السقف السياسي للحركة ,وذلك عن طريق التجييش ألشوارعي, وصياغة شعارات شعبوية, مناهضة للجميع, بما في ذلك مكونات رئيسية ومؤسسة للحركة العشرينية ..وبذلك ,تحولت الحركة,وهي التي أرادت لنفسها أ ن تكون “عابرة للإيديولوجيات والمرجعيات المختلفة ” , إلى حلبة صراع داخلي ,من طبيعة سياسية ,تعانق فيه الاسلاموي واليسراوي, وفرضا, بالتالي, على الحركة مسارا مغايرا لروح وتوجهات البداية : فمن مسيرة إلى أخرى ,هيمنت الشعارات المرتبطة برهانات واستراتيجيات محددة ,هي بالتحديد ,تلك الرافضة للعملية السياسية ب الإصلاحية الجارية,ولكل الفاعلين من داخلها, وفي هذا السياق ,لابد من ملاحظة ما يلي :

_ فرض شعارات المقاطعة للدستور الجديد,كمرتكزات ( خطاب الملك في 9 مارس ) , وكآلية إعداد له (ما سمته الشعارات بلجنة ألمنوني ) ,وكمشروع معروض على الاستفتاء , وذلك في تجاوز لاستقلالية الحركة ,وعدم احترام الاختلاف داخلها حول المسالة الدستورية, والعمل على تدبيره ديمقراطيا بما يعزز وحدة مكوناتها واستقلاليتها كحركة مجتمعية متعددة وجماهيرية .

_تخوين “نعم للدستور”, التي تعبر عن إرادة ملايين المواطنين والمواطنات أولا, وجل القوى السياسية الوطنية الفاعلة ثانيا, مما بات يهدد الحركة بالوقوع في انعزالية , ستؤثر سلبا على جماهيريتها ومصداقية مشروعها المجتمعي ألاستنهاضي ..

_وتماديا في هذا المسار ألانزلاقي, تم رفع شعارات تستهدف النظام بشكل مباشر, في العديد من المسيرات: ( جماهير ثوري ضد النظام الديكتاتوري _المخزن اطلع برا _ من يعين الوزراء..هو..من يعين المسيرات السفراء ..هو ..),ثم ,أخيرا, جاء القرار الاستفزازي لتحالف “السيف والمنجل” بتنظيم مسيرات في غمرة احتفال الشعب المغربي بعيد العرش, ليشكل إعلانا فاضحا, لنوايا هذا التحالف, وأهدافه من الانخراط في حركة 20 فبراير المجيدة.. أليس هذا القرار تفعيلا ميدانيا أوليا لكلمة شيخ الجماعة عن “الملك العضوض “؟ وهكذا فرض على الحركة مسار مغاير لروح وتوجهات البداية .

حقا ,إن سلوك أجهزة الدولة القمعي ا تجاه حركة 20 فبراير, قد ساهم في الكثير من مظاهر التصعيد ألشعاراتي الميداني,ومن ردود الفعل غير المحسوبة النتائج ,ولكن ذلك لا يعفي الحركة من نقد ذاتي لمسارها وأدائها ,وتقييم موضوعي يرمي إلى تعزيز حصيلتها الايجابية على العموم ,(المشار إلى بعضها أعلاه ), ووضع إستراتيجية ترسي أسس استقلاليتها,وتكرس وجودها واستمرارية حضورها , على أسا س خطة عمل جديدة ,محايثة وملتصقة بالواقع السياسي في لحظته العينية الملموسة, وفاعلة فيه , فذلك هو ما سيضمن ارتفاع منسوبها في الشارع من جهة , ,ويقوي تأثيرها على حركية الإصلاح والتجديد للأحزاب المساندة لها , والمنتمية شبيباتها عضويا إليها ,من جهة أخرى ..

إ ن الرهانات غير الواقعية لبعض مكونات حركة 20 فبراير, والمتماهية, بوعي أو بلاوعي مع مسارات” الثورات العربية” , أضرت بالحركة ما يفرض التشبث بسقف مطالبها : إقرار ملكية برلمانية, والانخراط في النضال من أجل تنزيل مقتضيات الدستور الجديد وتفعيلها, ومحاربة الفساد بكل أنواعه بواسطة الضغط على الدولة لاتخاذ إجراءات ملموسة ضد جميع المفسدين ممن ثبت تورطهم في قضايا وملفات معينة ,وبموازاة ذلك ,الدفع في اتجاه سن سياسة اقتصادية واجتماعية جديدة, تجعل من العدالة الاجتماعية مبتدأها وخبرها…إلى غير ذلك من العناصر البرنامجية الموحدة لكل الطيف السياسي والنقابي والجمعوي ,ولكل الفئات الاجتماعية المتطلعة للعدالة والكرامة والحرية .. وبكلمة, لكل من يسعى إلى التغيير من داخل الاستمرارية…ومن قلب السيرورة الإصلاحية الجارية بإكراهاتها و تعثراتها , المتعددة الأسباب والمصادر…أما خارج ذلك فليس سوى أضغاث أحلام.

Leave A Reply