تفنوت والحلقة 9…”رهانات مغرب ما بعد الاستقلال: الفرص الضائعة”

0
في العلاقة الغامضة المتحركة والمتبدلة بين المؤسسة الملكية، وقوى اليسار بعموم تشكيلاتها، بمافيها التيارات التي تبنت فكرة العنف في مواجهة سياسة الملك الحسن الثاني،انتهينا إلى طرح السؤال حول ما إذا كانت قوى اليسار قد لعبت دورا في وضع أسس فكرية سياسية لجعل هاته العلاقة ، الممتدة و لعقود، واضحة المنحى وواضحة الأسس؟؟ أم أن التباس العملية السياسية المغربية وتعقيدها( واستمرار هذا التعقيد منذ زمن الحماية الذي حكمته” القاعدة الخلدونية” التي قضت بتحالف كل الإخوة ضد ” العدو الخارجي”) قد خلفت وراءها معوقات كبحت مجهودا من هذا النوع، والذي لو وقع كان سيجعل المغرب وأطراف ” لعبته ” السياسية،بافتراض تنافر مصالحها، في حال غير هذا الحال الذي نحن فيه..

– أكيد أن الأمر، على هذا المستوى من التحليل السوسيوسياسي، لم يكن أمرا بسيطا وقوعه،فالقضية ليست قضية أفكار مجردة، وترفا نظريا زائدا، ومقولات فلسفية معزولة عن سياقاتها المادية التاريخية، المتميزة أولا وأخيرا بخصوصية بلد لازالت ” آثار” الهندسة الإستعمارية تشده من خناقه وتعطل أمكنة القوة لديه، بمايعني بقاء وتوسع إنجاز مصالحها وحمايتها، وعقد تحالفات مع قوى اقتصادية واجتماعية داخلية نافذة في بنية السلطة والمجتمع وفي دواليب الإقتصاد الجديد ،
و هذا ما جعل الرهان المحوري وطنيا كله يدور جوهر الصراع فيه حول من سيأخذ السلطة، أو من سينتزعها من الآخرين ،، وبالنتيجة المباشرة ، كيف ستتحدد بعد ذلك خيارات الدولة المغربية الفتية، في عالم كان قد انقسم عموديا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى كثلتين كبيرتين، وكثلة ثالثة كانت تبحث لنفسها عن معنى، لم يتحدد مضمونه للسياسة والسيادة، فجعلت له ،في نهاية الرحلة، عنوانا فضفاضا ومترددا إسمه كثلة دول عدم الإنحياز….

– ومع ذلك لابد أن لا ننكر لأجيال اليسار المغربي التي توالت الظهور على ركح العملية النضالية، تعدد محاولاتها ، واستمرارية إجتهادات، بعض من أطرها، لبناء خطاطات فكرية سياسية تنهل من مصادر الفكر الإنساني وعلومه الحديثة، وبوحي من تطور نظام الأفكار ومناخات الجدل الإيديولوجي الذي كان ينتشر في كل ساحات الصراع السياسي الكوني..

.وفي هذا الباب علينا أن نوضح ، مرة أخرى، أن هذا المجهود الثقافي الذي ” حرضت ” على إطلاق سيروراته القيادات المؤثرة في نشاة حركات اليسار، كان الهذف الرئيسي من ورائه مزدوجا، الأول منها هو العمل على بلورة ” هيمنة ” تعبوية فكرية تجابه به ماتعتبره بقع الضعف لدى الخطاب السلطوي التدبيري للمؤسسة الملكية.

والثاني فيها هو تدارك ضعف الأداء النضالي الذي أدى إلى تراكم الإخفاقات بل والهزائم المكلفة، و من ثمة ممارسة الرفع من فعالية التخطيط النقدي البديل للطريق الذي اختاره الحكم السلطوي لكي يحكم به البلاد بميزان قوة مختل لصالحه…

– من طريق الوحدة ” الفوقية ” ….إلى طريق الإختيار الثوري:

– يمكن القول أن تاريخ حركات اليسار المغربي، ما هو في حقيقته إلا تاريخا مستمرا لمحاولات البناء الفكري والسياسي وإعادة تجديد العدة الذهنية والعقدية لفهم مايجري ويتغير على مر الأيام والسنين، وهو تاريخ حافل بإطلاق الدعوات الدائمة للتوضيح النظري الاستراتيجي و لتجديد أدوات البناء التنظيمي المرافق للتقييمات السياسية الجديدة وخططها المتلائمة مع الأوضاع العامة للبلاد في ارتباط مع المتغيرات الإقليمية والعالمية…

– ويكفي هنا أن نستحضر نصوصا ووثائق عديدة متفاوتة الإختصاصات النظرية والعملية، بقيت تعتبر علامات مرجعية تحيل على ذاكرة من الأحداث والوقائع الحاسمة من تاريخ المغرب وصراع قواه المتعارضة، كما تحولت، هاته النصوص والوثائق مع مرور السنوات، إلى أدوات قياس ذهنية تكشف عن مستويات معينة من الوعي والإدراك الثقافي لحامليها والمنتسبين إليها، ومدى نضج صائغيها وحدود استيعابهم لمشكلات سياقاتهم التاريخية.

– و إن استعادتها اليوم، نقصد بذلك هذا الثرات من أدبنا السياسي والفكروي( الإيديولوجي )، ونحن نخوض في مايتخبط فيه اليوم قسم كبير من مناضلي حركات اليسار ، سيساعد لامحالة جمهورا مهما من أطرها القارئة والمهتمة والمهمومة بتوضيح صورة المستقبل غير الواضح الذي سار يطبع سير حياتها السياسية الداخلية المهتز والمطبوع بالتشتت واختلاط سلم الأولويات والإنشغالات الفعلية الرئيسية لا الثانوية ، وكل ذلك في علاقته بالأوضاع المستجدة في معركة بناء مشروع الدولة الديمقراطية المغربية الذي سرنا نرى بالعين المباشرة ضموره ونكوصه لصالح مشروع آخر يبدو أنه يميل إلى نزعة سلطوية أخذت تتحدث بخطاب استعلائي عن اعتقاد بجدوى التنمية السلطوية وقوة أذرع الحكم المركزي ونجاعته في ركوب موجات التشييد الإقتصادي دون الحاجة للمرور من بوابات المؤسسات المنتخبة شعبيا وبنزاهة غير معرضة للطعن …

– وفي هذا الباب يمكن اعتبار التقرير السياسي الأدبي الذي أعده الشهيد المهدي بنبركة للسكرتارية العامة للإتحاد الوطني للقوات الشعبية شهر ماي سنة 1962، الوثيقة التي سجلت أقوى الحضور في حقول الكتابة السياسية ليسار مغرب مابعد توقيع معاهدة إيكس ليبان..والأشد امتلاء بالمعطيات والدروس التي ستلقي بظلالها على ماسيأتي من تحولات سياسية وفكرية واجتماعية، لازالت أعراضها وإشكالاتها الكبرى ترهن حاضرنا إلى اليوم…

– من المؤكد أن هناك وثائق وأوراق سياسية أخرى لقياديين يساريين عديدين ليس فقط من داخل الإتحاد الوطني ومتتالياته بل وأيضا من حضن التيار الشيوعي المغربي والتنظيمات التي خرجت من بطنه، وكذا لوطنيين آخرين من تيارات مذهبية وفلسفية على خلاف مع المدارس الإشتراكية، قد تناولت بالتحليل والممارسة ذات القضايا وبقيمة تفسيرية لاتخلو من صواب البديهة وحكمة الإستشراف، إلا ماجعلنا نتوقف عند هذا النص السياسي أكثر من غيره في حلقاتنا هاته، هو اللغة “السياسية الإستثنائية ” التي لجأ إلى بلاغتها العراكية كي يرسم لنا في لحظة مفصلية من تطور المغرب وهو على مسافة لا تتجاوز سبع سنوات من عمر ماسماه ” ملك الوطنيين ” بالجهاد الأكبر…


– ويبدو أن هذا الإتساع في الحضور والإنتشار الوطني والدولي لهذا النص النقدي الذي سيحمل إسما حركيا على كل الألسن عرف ب ” الإختيار الثوري ” ، ليس مرتبطا فقط بوزن صائغها ورياديته في معمعان القرارات الكبرى التي عاشتها النخب المغربية، منذ أربعينيات القرن الماضي حتى ذلك اليوم الأسود الذي سيختطف فيه الرجل من قلب عاصمة الأنوار والثورة “باريز الجنرال شارل دوغول “…

هذا مايميل إلى تأكيده مجموعة من الباحثين الجديين في تاريخ المغرب المعاصر والراهن،،،، فلقد أنضافت إلى هذا الأمر( قوة الشخصيةوكاريزميته) نوعية مضامين وثيقة الإختيار الثوري، وكذا خصوصية السياق التاريخي السياسي والإقتصادي الذي استدعى الشروط الموضوعية والذاتية لبلورته ووضعه بقوة على طاولة الصراع الجديد الذي سارت حقول السياسة الوطنية ميدانا له…

– وبالفعل، فمنذ السطر الأول يحملك صاحب النص دون مواربة إلى الهذف من وراء خطابه، وهي ترتكز على توضيح قضيتين جوهريتين عليهما ينبني مجمل منطق ومعنى الفكرة السياسية التي كان قد وضع كل طاقته للصراع من أجلها..

– أما القضية الأولى فتهم الحزب الذي هو في قيادته ،أي حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية المنفصل عن الحزب الأم حزب الإستقلال في سنة 1959، و الذي كان يعيش وقتها أجواءا من ” الغموض” في الرؤيا والتراجع على صعيد الأداة التنظيمية، وهو ماجعله يصف المؤتمر القادم( الثاني ) الذي أعد له هذا التقرير بأنه سيكون المؤتمر الذي سيعطي للبعد الثوري للحزب كامل مدلولاتها… خصوصا وأنه يسجل، بارتباط مع هذا الهذف الإستراتيجي، أن هناك حملة ودعاية محكمة كانت في خفاء تمهد السبيل لاحتكار السلطة بيد القصر، مدعية أن نظام ” الحزبية ” كأسلوب للتنظيم والبناء الإقتصادي باء بالفشل رغم أنه أتيحت له كل الفرص!!!، وهذا مايرد عليه صاحب الإختيار الثوري بالنفي القاطع استنادا إلى تجربة الحكومات المتتالية التي شارك فيها ورفاقه قبل الإنفصال عن حزب الإستقلال، أو حين قادوا حكومة الأغلبية التقدمية برئاسة رفيقه عبد الله إبراهيم، وماسيجري خلالها من صراعات مع المؤسسة الملكية وبالضبط مع الأمير الحسن الذي كان رئيس السمفونية المناهضة لتوجهات وتصورات تحررية قد تطرحها تيارات من الحركة الوطنية تنزع نحو سياسات وطنية مستقلة عن مراكز الميتروبول الغربي الإستعماري في وجهه الجديد…. ولإنجاز مهمات من هذا القبيل يؤكد المهدي بنبركة في تقريره على أن مهمة الإتحاد الوطني للقوات الشعبية الأولى قد غدت متمثلة في إقامة الدليل على أن ” الشعب يستطيع تجنيد نفسه بنفسه دون الحاجة إلى” وصي ” ، كماسبق له أن جند نفسه بنفسه خلال الأزمة الكبرى من سنة 1952 إلى 1955…

– أما القضية الثانية، في نفس التقرير، فتتعلق بجوهر المشكلة السياسية العليا التي طرحت على المغرب والمغاربة بجميع فئاتهم وطبقاتهم، إنها مشكلة ذلك السؤال الصعب الذي طالما أجلت تناوله أغلب فصائل الحركة الوطنية، منذ مفاوضات ماقبل إيكس ليبان بمبرر متطلبات معركة المطالبة بإنهاء نظام الحماية وإعلان الإستقلال، والتي تقتضي من ضمن ماتقتضيه عدم فتح الملفات التي من شأن إثارتها وقتذاك أن يفتت الصفوف، ويحفر في حائط اللحمة الوطنية شقوقا قد يتسلل منها
” المستعمر ” …إنه السؤال المتعلق بطبيعة الدولة المغربية الجديدة، ومؤسساتها، ومصادر شرعية سلطاتها، ومسألة السيادة لمن تؤول فيها، ؟؟؟ وبمعنى آخر إنه سؤال الدولة الحديثة الديمقراطية، والذي تحكي كواليس المفاوضات المذكورة أعلاه( إيكس ليبان ) عنها بشهادات شفوية ومكتوبة مغربية وفرنسية أن حزب الشورى والإستقلال بقيادة محمد بلحسن الوزاني هو الوحيد الذي توقف عندها وطرحها بصيغة يفيد معناها العام أن المستعجل في التهييئ لفترة مابعد الحماية، ليس هو الدخول المستعجل في محادثات إجراءات رحيل فرنسا، بل هو البدء أولا في مناقشة وضع المؤسسات وانتخاب ممثلي الأمة لتشكيل مجالس السيادة الوطنية بطريقة ديمقراطية ، و عبر ذلك يجري تأهيل المواطنين المغاربة تربويا وسياسيا حتى يدركوا أهمية الحصول على الإستقلال والحفاظ عليه…

من يعيد قراءة صفحات الإختيارالثوري سيلمس ” الحساسية المرتفعة ” التي كان المهدي يرافع بها حول هذا الموضوع، فكل الفصول و الفقرات التي تشكل منها هذا المؤلف الجدالي، من ” تحليل الحالة الراهنة وماهي الظروف التي ينعقد فيها المؤتمر الثاني”، إلى فصل النقد الذاتي والأخطاء الثلاثة الرئيسية ” القاتلة ” هي تشخيص، بالسياسة والإيديولوجيا والطموح الحزبي ، لتفاصيل ضياع بناء مشروع الدولة الوطنية التحررية، وحكاية حزينة على إفلات فرصة الدفاع الجماعي ضد المشروع المضاد الذي يرى بنبركة أن قوى الإستعمار الجديد هي من كان يرسم ترتيباته ويختار رجالاته ويخطط لانقلاباته…

– فكيف فسر المهدي هذا الذي حدث؟ وماالذي جعل حركة وطنية من عيار الحركة الوطنية المغربية( وفيما بعد الحركة الديمقراطية ويساراتها ) تجد نفسها،كاستثناء في منطقتها، خارج مؤسسات دولة الإستقلال التي ناضلت من أجل موعد إقامتها بعد دحر الإستعمار…

هذا ماسنتوقف عنده بشئ من التحليل لبعث حيوية ذهنية حول ممكنات سيرورات نضالية يسارية يستحقها بلدنا وشعبنا المكافح والصبور…….

Leave A Reply