طليمات يكتب: على هامش رحيل المفكر والمؤرخ هشام جعيط

0

رحل المفكر والمؤرخ التونسي الكبير هشام جعيط ,بعد مسار فكري طويل وعريض, أغنى فيه الحقل الثقافي العربي بأعمال رائدة تناولت التاريخ الثقافي والسياسي العربي الوسيط والمعاصر, وإشكاليات الحداثة والنهضة والتقدم في علاقتها الجدلية مع مسألة الهوية. من أبرز مؤلفات جعيط المؤرخ “الفتنة جدلية الدين والسياسة في الإسلام” , و”الكوفة : نشأة المدينة العربية الإسلامية “، وثلاثية ” في السيرة النبوية “, وهي أعمال تأسيسية ومرجعية في مقاربة الإسلام من منظور تاريخي نقدي يتغيا بناء معرفة بالإسلام في تاريخيته وفي مساراته الواقعية لا الخرافية أوالمتخيلة.

بقلم الكاتب والفاعل الحقوقي جليل طليمات

في كتابيه ” أوروبا والإسلام:صدام الثقافة والحداثة” و” أزمة الثقافة الإسلامية” وغيرهما من المؤلفات الفكرية تناول جعيط إشكالية الحداثة والهوية في مجتمعات التأخر التاريخي ,وبخاصة في علاقة المسلمين بها , مشددا على الطابع الكوني للحداثة ,وعلى حتمية الأخذ بمنظومة القيم الإنسانية المؤسسة لها .وعلى الرغم من اختلاف نماذجها وتجاربها(تجارب الصين واليابان والهند ..الخ) فإن ذلك لا يلغي كونيتها ,” ليست هناك حداثة غربية وحداثة إسلامية وأخرى صينية وأخرى هندية أو إفريقية . فهذه واحدة في جميع أبعادها” (ص 31) . وهكذا , فإن خصوصيات المجتمعات والهويات الحضارية لا تتعارض مع الطابع الكوني للحداثة , وكما يقول :” أن يجري الحديث عن الخصوصيات لدحض قيم الحداثة , فهذا نفاق كبير وتضليل عظيم ” (كتاب : أزمة الثقافة الإسلامية ص 31) , ومن هذا المنطلق انتقد جعيط التيارات الفكرية المناهضة للحداثة الغربية باسم الدفاع عن الهوية ودعا إلى الأخذ بقيم ومفاهيم ومنجزات الحداثة الغربية ” حتى لو فرضنا أن الغرب مليء بالمساوئ,فهذا لا يمنع من أن القيم الإنسانية التي ابتدعها الفلاسفة والمفكرون فيه منذ القرن السادس عشر لها وجاهة في حد ذاتها ” (ص 15) فكونية و”وجاهة ” قيم الحداثة وأسسها الفلسفية إذن , تفرض علينا الانفتاح عليها واستيعابها وتمثلها إذا ما أردنا تجاوز التأخر التاريخي والانخراط في العصر, والبقاء داخل التاريخ لا على هامشه.


وفي معرض نقده للتصور المتزمت الجامد للهوية, يبرز جعيط أن الحداثة لم تلغ الهويات والمنظومات المرجعية ,الدينية واللغوية والثقافية للمجتمعات التي ولجت الحداثة الفكرية والسياسية بما في ذلك المجتمعات التي اختمرت ونشأت فيها وتشبعت بقيم العقلانية والعلمانية والإنسانوية ,وتبنتها كنمط تفكير وحياة , يقول في هذا الصدد : ” لاشيء في الحداثة يهدد الهويات العرقية واللغوية والدينية والثقافية , بل العكس,فالإسلام مثلا ينتشرا كثر فأكثر بسبب الحداثة وليس للاحتجاج ضدها” , وللبرهنة على ذلك يتوقف عند الاستلهام الخلاق للحداثة الغربية في التجارب اليابانية والصينية والهندية التي ولجت الكونية من باب خصوصي ,مستخلصا أن الهوية على عكس ما يزعمه حراسها , تنمو وتغتني وتزدهر بأخذ مكتسبات الحداثة,لا بالانغلاق على الذات باسم الدفاع عن الهوية , وبالتالي فإ ن تحقيق العرب وابتكارهم “لنموذج خصوصي” لحداثتهم غير ممكن إلا إذا ” قرروا بصفة جدية الأخذ عن الغير , وما أبدعته الحداثة في كل الميادين” .

ليس مجيء مجتمعات التأخر التاريخي إلى الحداثة الفكرية والسياسية بالأمر اليسير,قد يتحقق بترديد مفاهيمها المجردة المؤسسة لها ( حرية , ديمقراطية , علمانية , العقلانية ..الخ) , بل يتطلب مسارا تاريخيا طويلا من التراكمات والتحولات في مختلف المجالات, الاقتصادية والسياسية والثقافية وفي البنيات الذهنية والاجتماعية , ويؤكد جعيط في هذا السياق على عمق المسافة الفاصلة بيننا كمجتمعات عربية وبينها ( الحداثة), رغم كل التقدم الحاصل في حيازة منتجاتها التقنية الحديثة , يقول : ” المسافة ما زالت هائلة بالرغم من اتخاذنا لكثير من وسائل الحداثة : بث التعليم, التقدم الصحي , الإعلام الجديد , الآلات الحديثة في الفلاحة والمضي في عملية التصنيع …لكنه مسار شاق وصعب وطويل , وهو يستدعي ثلاثة أو أربعة أجيال .. فلا يمكن تدارك أربعة قرون من التأخر في عشر سنوات.. ” فتعثر الديمقراطية مثلا في التجارب العربية يعود إلى أن الديمقراطية ليست مجرد قوانين ومساطر وصناديق اقتراع وآليات اقتراع, وإنما منظومة قيم يحتاج إرساؤها وترسيخها , كما يقول إلى ” انقلاب ذهني ثقافي ليس له الآن دعامة في الواقع الاجتماعي والسياسي ..” (ص 8).

هذه مجرد ورقة تعريفية أولية تعريفية بجانب هام من جوانب فكر المؤرخ والمفكر الكبير هشام جعيط في يوم رحيله المحزن لترقد روحه في سلام .

Leave A Reply