عن الشرفة .. وسبيلا وأبي حامد الغزالي

0

احتفاء باليوم العالمي للفلسفة لهذه السنة، استقبلت الجمعية العامة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المفكر المغربي الراحل سي محمد سبيلا ليساهم رغم ظروفه الصحية بمحاضرة لمدة عشرين دقيقة حول “الفلسفة وحقوق الإنسان والجائحة” وقد كنت سعيدا جدا بمبادرة المجلس لكونها أولا جعلتني أستعيد دروس الراحل طيلة موسم جامعي بأكمله حين كنت طالبا بجامعة محمد الخامس بالرباط حول “مفهوم الإيدليوجيا” باعتبارها كما كان يرى الفقيد ظاهرة اجتماعية وثقافية وسيكولوجية ومعرفية وليست فقط ظاهرة سياسية؛ سنة دراسية بأكملها حققنا مع الراحل سفرا عقليا في محطات فلسفية كبرى حول المفهوم باحترافية بيداغوجية وتأملية تتحقق فيها القدرة التوليدية؛ والسبب الثاني لسعادتي هو الحدث ذاته، استحضار السؤال الفلسفي كانشغال محوري من ضمن انشغالات مؤسسة دستورية من حجم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وعلى راهنية هذه الانشغالات .. ولعل الكلمات التي ظلت حاضرة في ذهني وربما ذهن الكثير من أعضاء الجمعية العامة للمجلس؛ شذرات قدمت بشكل بسيط غير أنها  ظلت تمتح من الخطاب الفلسفي رونقها الاستيتيقي

“كوفيد19 حطم كبرياء الكائن..
كما استطاع من خلال تكميمه أن
يخفي أنفته ويخفي الفم كجهاز للتعبير..”

هذه الكلمات السحرية المحشوة بخشية من طبيعة وجودية، استعدتها من لحظات اليوم الخامس من عزلتي وأنا أطل من شرفة منزلي على رفيقة عمري ودنياي، التي يمنعها المرض ونقص المناعة المزمن لديها أن تكون بجانبي، وهي تبادلني بعض الكلمات الممتزجة بابتسامتها الطفولية التي لا تكبر وهي تغني من بعيد أغنية من الزمن الجميل للفنانة شادية في فيلمها الرائع لصلاح أبو سيف ” لوعة الحب” :
” من الصبحية وأنا في الشباك

مستنية تهـــــــــــــــــلي عــــــلي
ويهـــــــــــــــــــــــــلي هـــواك..”

.. من بعيد وكأنها فسحة لمعتقل تمكن للتو من الحصول على حق من حقوقه الإنسانية بعد تجربة شديدة الوطأة بين الجدران؛ وخوف تملك الصدر وظل متربصا في كل ركن من أركان البيت بعد أن التحم ” الربو” مرض طفولتي الأولى الذي افتقدته منذ أربعين عاما ويزيد مع معاناتي مع الوباء..
فأردد مع إيليا أبي ماضي :

“يا للضعيفين استبدا بي .. وما في الظلم مثل تحكم الضعفاء”

.. حين يشتد علي السعال ويبلغ بي الضيق مبلغه حتى بت لا أرى أمامي سوى سياق قول الله تعالى في سورة التوبة “…حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم؛ .. فيبدو ليلي باردا من الألم والوحدة لا أجد من يواسيني أو يخفف عني وقع السقم إلا أنفاسك الساكنة بين جدران بيتنا ولمساتك وجمالية ترتيب كل تفاصيل البيت وبعض الإنصات للقرآن بصوت سي عبد الرحمن بن موسى ومنفرجة أبي حامد الغزالي:

“الشدة أودت بالمهــــــــج يا رب فعجل بالفــــــــــرج
والأنفس أمست في حرج وبيدك تفريج الحـــــــــــرج
هاجت لدعــاك خواطرنا والويل لها إن لم تــــــــــهج
يا من عودت اللطف أعد عاداتك باللطف الـــــــبهج
أغلق ذا الضيق وشدته وافتح ما سد من الفـــــرج
يا ســــيدنــــا يا خالقـــــنا قد ضاق الحبل على الودج
وعبــــادك أضحوا في ألـــم ما بين مكيرب وشـــــــجي
يا رب وليس لــــــنا جلد أنى والقلب على وهـــــــج
يا ربي عبيدك قد وفدوا يدعون بقلب منزعــــــــج
يا رب ضعاف ليس لهم أحد يرجون لدى الهـــــرج
والأمــــــــر إليك تدبره فأغثنا باللطف البهــــــج..”

وفي ختام هذه المحنة، لعل الله يستجيب دعاءنا وتكون محنتنا الأخيرة أشكر كل من ساندني من بعيد أو قريب، الدكتور والصديق بنعبد الرزاق، الدكتور وطبيب العائلة سيدي عبد العزيز زهراوي، الدكتور والصديق سعيد ميرزا.
كل الامتنان لحماتي المتفردة على أطباقها الحنونة والدافئة والغنية التي تفتح شهية من لا شهية له رغم مرضها وانشغالها بصحتها وصحة زوجها سي مصطفى حتى؛ ولأخي وصديقي سيدي عبد الإله زهراوي زوج العزيزة منى على مساندته اليومية.

الشكر والتقدير لجارتي الفاضلة لالة رجاء ولزوجها الفاضل الخلوق أستاذ العلوم الطبيعية سيدي سعيد الحصاري وللعزيز معاذ والطفل الحلو الهادئ رياض.
الشكر الموصول لجاري الشاب الجميل والأنيق والمتخلق ولد زاوية سيدي عبد الجليل الركراكي “مول الوادي الأخضر” سيدي طه الوافي ولجاري العزيز المناضل الفوسفاطي الكونفدرالي سي يوسف الشوكيري ولصغيريه الذين أضربا عن اللعب تضامنا معي.
كل المحبة والتقدير والاعتزاز بالاتصال المستمر لكل أفراد عائلتي ولكل أصدقائي وصديقاتي ولكل الأخوات والإخوة في المكتب الوطني للنقابة الديمقراطية للعدل والمكتب المركزي لودادية موظفي العدل وعموم هيئة كتابة الضبط ولكل الأخوات والإخوة في المكتب المركزي الفدرالي والقطاعات الفدرالية وإدارة المقر المركزي.

الشكر والتقدير لكل أطر ومسؤولي الإدارة المركزية لوزارة العدل والمؤسسة المحمدية وللسادة المسؤولين القضائيين والإداريين الذين لم يبخلوا بالاتصال بزوجتي للاطمئنان أو تركوا رسائل صوتية أو مكتوبة على الواتساب.

كل الحب والمحبة لأصحابي الذين وجدت اتصالهم كل صباح وكل مساء على هاتفي.

محبتي الصادقة والدائمة لصديقتي الوفية “Pia brostron” ومن خلالها لكل أصدقائنا وصديقاتنا بالدانمارك.

سلامي وامتناني لتوفيق الإنسان، توفيق المناضل الاجتماعي، توفيق الطبيب، توفيق الممرض، توفيق الصاحب، توفيق المتواجد في أكثر من مكان في نفس اللحظة، توفيق القادر على العطاء أحد الوجوه المشرقة للمؤسسة.

عبد الصادق السعيدي رشيدة حتى

عبد الصادق السعيدي وزوجته رشيدة حتى

مجددا اهمس في أذن زوجتي التي لم تفارقني يوما حتى في محنتي مع آلام المرض وآلام الزمن وضرائره وحتى عندما هرب مني الجميع وهرولوا لتقديم استقالاتهم وأغلقوا هواتفهم، بقيت وحيدة صامدة بدعم من رفاق بعدد أصابع اليد الواحدة وسط إعصار من إكراهات ومتطلبات العيش اليومي ومتطلبات واجبات الكراء والماء والكهرباء؛ كنت دوما أقوى مني في كل لحظات عمرنا وحتى في عز مرضك كنت القوة التي تمدني بالطاقة التي تستلزم الوقوف إلى جانبك.
لأول مرة أجدني بعيدا عنك؛ بسبب ضعف مناعتك الجسدية وإعفائك من اللقاح فدعيني أهمس في أذنك زوجتي، كل رسائلك وكل كلماتك التي كانت تصلني كل ليلة على الرقم الخاص بك والمشحونة بمناعة نفسية وذهنية لا حدود لها، مدتني بالسكينة والطمأنينة وراحة البال وظلت مؤنسي في عزلة لم أعشها من قبل.

آسفي ليلة الأحد 14 غشت 2021

Leave A Reply