الرئسيةثقافة وفنوندابا tv

سينما داود أولاد السيد..الفضاء كبنية دلالية

محمد بكريم

بقلم الناقد السينمائي والكاتب محمد بكريم

بعد مسار سينمائي حافل عدة أفلام طويلة (ثلاثة قصيرة)، يؤكد داود أولاد السيد ملامح توجه فني خاص. إنها سينما تنحاز للهامش -شخوص وفضاء- والتقاط اللحظات العابرة. سينما تشتغل على المدى الزمني لتعليق اللحظة (اللقطة الثابتة)، وتعانق الفضاءات الخارجية للكشف عن العوالم الداخلية. الفضاء كأداة لاستعادة الذات…أو فقدانها.

كان يسعى أولاد السيد إلى التقاط آثار ثقافة في طريقها إلى الزوال

بتفاعل جلي مع صديقه الشاعر والسينمائي الراحل أحمد البوعناني، كان يسعى أولاد السيد إلى التقاط آثار ثقافة في طريقها إلى الزوال (كما في حالة “زينب” في فيلم أصوات الصحراء التي تعد أطروحة جامعية حول الحكايات الشعبية التي يلقيها “مولود”)، وإبراز علامات الثقافة الشعبية في تنوع تعبيراتها الأيقونية: من صور، وآثار، وخطوط… وغالباً ما يتم ذلك ضمن تشكيل مكاني يمنح الأولوية للصحراء.

سواء في أعماله الفوتوغرافية أو أفلامه (القصيرة والطويلة)، يظل نهجه وفياً لجغرافيا بشرية ومادية وسمها الزمن ببطئه: إيقاع رصين يتماهى مع زمنية الشخوص المصورة… وهي عناصر يعاد توظيفها لتسمح بالحديث عن إنتاج منتظم نسبياً، والأهم من ذلك، منسجم في جوهره وشكله، مما جعل من داود أولاد السيد أحد الوجوه البارزة في العقد الأول من الألفية الثالثة؛ وهي الفترة التي شهدت طفرة جديدة للسينما المغربية مع بروز أجيال جديدة.

وإذا كان من السهل تصنيف أفلام داود أولاد السيد ضمن “سينما المؤلف” بمعناها العام، فإن عمله يظل مطبوعاً بشكل قوي، على مستوى الكتابة، بالتعاون الوثيق مع كتاب دراميين مرموقين، لاسيما أحمد البوعناني الذي شاركه كتابة فيلمين أعتبرهما شخصياً تحفتين حقيقيتين: باي باي سويرتي (الذي شهد أيضاً مشاركة يوسف فاضل) وعود الريح.

 

كما عاد الكاتب والروائي المقتدر يوسف فاضل ليشارك في كتابة سيناريو فيلمي طرفاية (2004) وفي انتظار بازوليني (2007).

أما فيلم الجامع (2010)، فقد دشّن تعاون المخرج مع السيناريست حسن فوطة، الذي كتب معه أفلاماً تلفزيونية ذات جودة عالية كانت تستحق العرض على الشاشة الكبرى.

نحن إذن أمام متن سينمائي متماسك، لا يستمد قوته من الكم، بل من انسجام جمالي تطبعه شبكة من العلامات المميزة. وبشكل جوهري، يمكن القول إنها سينما التجريد والتقشف، قائمة على اقتصاد سياسي سردي اختزالي.

أفلام تتميز بكثافة تخييلية زهيدة، حيث يمكن القول إن أولاد السيد يصنع سينما الخيال بأدوات الوثائقي. فافتتاحية فيلم الجامع تقترب فعلياً من “الدراما الوثائقية” (Docu-fiction) من خلال الإحالة القوية على الواقع وظهور المخرج في دوره الحقيقي.

ومن الخصائص الجوهرية الأخرى لهذا التماسك العام، النزعة إلى تفضيل مناخات الصحراء؛ حيث تخترق أفلامه فضاءات شاسعة وفارغة، توحي بالفراغ، والنقص… والتيه.

نمطية بصرية تبلور العدمية السائدة وغياب المرجعيات. العالم الذي تتحرك فيه شخوصه هو صحراء لا يطفو فوقها سوى السراب: تيه “قاسم” في فضاءات “تمصلوحت” القاحلة فيفيلم ” باي باي سويرتي”؛ افتتاحية فيلم ” طرفاية”؛ افتتاحية في انتظار بازوليني… وصولاً إلى أصوات الصحراء ورحلة البحث التي يخوضها الشاب “حمادي”.

تتغذى البنية السينمائية لأفلامه من أساليب بصرية أصبحت بمثابة بصمة خاصة، كما هو الحال مع “اللقطة الواسعة الثابتة” على طريقة “أوزو”.

الكادر الثابت لدى داود أولاد السيد يقترن دائماً بمجال / حقل ديناميكي

ومع ذلك، نجد أن الكادر الثابت لدى داود أولاد السيد يقترن دائماً بمجال / حقل ديناميكي يحمل أفقاً ووعوداً بـ «يوتوبيا” ممكنة. فمنذ لقطة البداية في فيلمه “أصوات الصحراء” (الذي شارك في كتابته الحسين شاني، وهو مخرج متمكن آخر من “السينما على الطريقة الآسيوية” ككياروستامي وأوزو)، تعمل اللقطة الثابتة الطويلة كـ “عقد تواصلي” مع المشاهد وأيضا عقد داخلي بالنسبة للفيلم (برنامجه السردي)، حيث يعلن البطل الشاب رحيله للبحث عن والده إثر معلومة تلقاها في رسالة داخل زجاجة. هكذا يؤسس النقص / الغياب الافتتاحي لانطلاق السرد.

أما في شكلها وإيقاعها، فهذه المتتالية البليغة هي اقتراح لعقد مع المتلقي مفاده: “ما ستشاهده هو النقيض التام للسرد السريع (High speed) الذي تستهلكه يومياً”.

المشاهد مدعو هنا لاتخاذ اختيار بعيد عن موجة الـ “يوتوباز” (Youtubisation) السائدة. نظام الشخوص في أصوات الصحراء، الذين نكتشفهم تدريجياً مع تقدم بحث “حمادي” (الحكواتي “مولود”، الشابة “زينب”)، يذكرنا بأننا أمام سينما غالباً ما تتناول أقداراً محطمة، ومسارات مسدودة، وأبطالاً في خريف العمر… لكن هذا لا يمنعهم من الحركة والمشي.

سينما “للمشي”؛ وهي سينما تجد جذورها في الواقعية الجديدة الايطالية

فنحن نمشي كثيراً في أفلام داود أولاد السيد. وإذا كان هناك سينما “للركض” (أفلام الحركة الأمريكية)، وسينما “للكلام” (سينما الذاتية والبوح عند السويدي برغمان مثلا)، فهناك أيضاً سينما “للمشي”؛ وهي سينما تجد جذورها في الواقعية الجديدة الايطالية.

تعطي سينما داود أولاد السيد الانطباع بأنها تستأنف الفن السابع من النقطة التي توقفت عندها مرحلة الواقعية الجديدة.

فالبنية الدرامية لفيلم” الجامع” مثلا تتقاطع في خطوطها العريضة مع فيلم” سارق الدراجة”.

البحث عن استرجاع بقعة الأرض المفقودة هنا يحاور سينيفيليا البحث عن الدراجة المسروقة هناك، و”موحا” عند أولاد السيد يحمل ملامح ومسار قريبه البعيد، العاطل عن العمل عند فيتوريو دي سيكا. وفي فيلم ” أصوات الصحراء”، يختار كـ “بطل” لفيلمه شخصية مغمورة؛ شاب يفتقد اية مرجعية ويبحث لنفسه عن هوية. وكأنها دعوة لإعادة اكتشاف السينما

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى