الرئسيةرأي/ كرونيك

غيثة عصفور: قضية تكشف عوراتنا

بقلم الصحافية هدى سحلي
ابن خلدون قالها منذ قرون: “الشعوب المقهورةتسوء أخلاقها.”
واليوم يتجسد قوله فينا بوضوح.
صار المجتمع المغربي نسخة حية من تحليله: قهرٌ دائم، فساد بلا حدود، وتشهير يُمارَس كأنه عقيدة وطنية.

غيثة عصفور: قضية تكشف عوراتنا

اعتقال المؤثرة غيثة عصفور بتهم تتعلق بـ”الفساد والخيانة الزوجية” لم يكن مجرد حدث عابر، القضية تحوّلت إلى مادة للتشهير والإذلال الاجتماعي، ليس عبر منصات التواصل وحدها، بل من خلال وابتداء من بعض وسائل الإعلام التي جعلت منها خبراً أولياً وصورة نمطية عن “الانحلال الأخلاقي” فيما انحلوا هم من “أخلاقيات المهنة” والأصح انهم ولدوا ونشأوا منحلين منها.
لكن السؤال الأعمق هو: لماذا تنشغل مؤسسات الدولة والإعلام بهذا الشكل المفرط بفضيحة شخصية، بينما تُمارَس داخل المؤسسات نفسها أشكال أبشع من الفساد السياسي والاقتصادي والإداري دون متابعة أو مساءلة حقيقية؟ أعتقد الجواب يمتلكه الجميع.

أخلاق مقلوبة وتحويل للانتباه

نحن نعيش وضعا شاذا. بينما ينهب سياسيون المال العام، ويعقد مسؤولون صفقات مشبوهة دون محاسبة، وتصاغ قوانين على المقاس، ويترامى مسؤولون عن املاك الناس، يختار الإعلام ومؤسسات الدولة أن تصنع من حرية أو نزوة شخصية “قضية وطنية”.
هكذا يُدار النقاش العمومي: تجاهلٌ للفساد البنيوي، وانشغال مَرَضي بما يصفونه بفضائح أخلاقية.
ابن خلدون كان واضحاً، لم يتحدث عن مجرد فساد أخلاق فردي، بل عن أثر الظلم المستمر على البنية الاجتماعية حين يُهمَّش الإنسان وتهدر كرامته، ينزاح وعيه نحو اللقمة والغريزة. وهذا ما نعيشه: مجتمع مفقَّر يتغذى على الفضائح كتعويض عن عجزه أمام قهر يومي.
الحملة الواسعة التي استهدفت غيثة عصفور ليست سوى تجسيد لآلية تحويل الانتباه: تشهير بالفرد، وإلهاء للجماهير، وتطبيع مع غياب المحاسبة.
في المقابل، يظل المواطن البسيط محاصراً في دائرة البحث عن “اللقمة والغريزة”، في ظل غياب الأمل في مؤسسات عادلة.

الحاجة إلى إعادة الاعتبار للكرامة

إذا كان ابن خلدون قد نبّه منذ قرون إلى أن القهر يفسد الأخلاق ويهوي بالمجتمع إلى درك البهيمية، فإن واقعنا المغربي اليوم يثبت أن الأمر لم يكن مجرد تأمل نظري.
قضية غيثة عصفور، ومثيلاتها كثر، بما حملته من عنف رمزي وتشويه، هي تحصيل حاصل يكشف أننا نعيش في بيئة تُعاقِب الضعفاء وتُكرِّس إفلات الأقوياء.
ولهذا ومع كل الأسف المؤلم والمرارة التي يشعر بها كل من كرس جزءا من عمره يحاول ان يصنع فارقا داخل هذا المجتمع ينقله الى المجتمعات “المتربية”، يقف اليوم مشدوها أمام حقيقة أنه يلزمنا سنوات وقرون من “الترابي”، وأن أي مشروع إصلاحي في المغرب لن يُكتب له النجاح إلا إذا انطلق من استعادة الكرامة الإنسانية، ووضع حد لثقافة التشهير، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المؤسسات، بدل اختزال الأخلاق في “السرير” وإغفالها في “السلطة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى