
“قانون محاربة التشهير” مظلة سياسية لتأديب الفضح بدل ردع الفساد الانتخابي
تحرير: جيهان مشكور
في خضمّ موسمٍ سياسيّ يشهد ارتفاع منسوب الشكّ أكثر من منسوب الثقة، خرج مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، المصادق عليه في المجلس الوزاري الأخير، ليعلن حرباً صريحة على “التشهير” و “نشر الأخبار الزائفة” خلال الحملات الانتخابية..
خطوة تبدو في ظاهرها دفاعاً مستحقاً عن شرف العملية الديمقراطية، غير أنّ ما بين السطور يفتح أسئلة أكبر من حجم النص القانوني نفسه: متى يكون الخبر تشهيراً؟ ومتى يصبح مادةً مشروعة لتحقيق صحفي؟ من يحدّد “الزائف” و”المنسوب” و” المفبرك”؟ والأهم: أين القوانين الرادعة لمن يستعمل المال والسلطة والنفوذ لشراء طريقهِ إلى صناديق الاقتراع تحت ضوء النهار ووسط اضواء الكاميرات؟
حدود التشهير… وحدود الحقيقة
ينص المشروع في مادته الجديدة (51 مكررة) على عقوبات تتراوح بين سنتين إلى خمس سنوات حبسا وغرامات تصل إلى 100 ألف درهم، ضد كل من نشر أو بث أو وزع محتوى يمس الحياة الخاصة للمرشحين أو الناخبين أو يشكك في نزاهة الانتخابات، سواء عبر شبكات التواصل أو منصات الذكاء الاصطناعي أو غيرها من الوسائط الرقمية، صياغة مشددة، دقيقة في ظاهرها، لكنها تفتح باباً واسعاً للتأويل:
فهل يُعتبر نشر معطيات حول ثروة مرشح ما “تشهيراً” أم “كشفاً للارتباطات المالية والاقتصادية لصاحب سلطة عمومية” ؟
هل يدخل التحقيق الصحفي الاستقصائي في خانة “المساس بالحياة الخاصة” إذا ما كشف تضارب مصالح أو عقوداً تُدار في الظل؟
هنا يصبح تعريف الحقيقة نفسه مسألة تفاوض سياسي، لا قانوناً محايداً.
من يجرؤ على الاقتراب من المال الانتخابي؟
اللافت أنّ المشروع يشتدّ في الحديث عن حماية صورة المرشح، لكنه لا يشير – لا من قريب ولا بعيد – إلى مسار المصادقة على مشروع قانون طال انتظاره لمعاقبة كل من يثبت استعماله للمال السياسي، شراء الأصوات، توظيف النفوذ، أو الضغط الإداري خلال الحملات الانتخابية.
والسؤال الذي يتكرر شعبياً قبل أن يُطرح قانونياً:
لماذا تشتغل الدولة بسرعة حين يتعلق الأمر بمعاقبة المواطن الذي يكتب منشوراً على “فيسبوك” ، بينما تتحرك ببطء حلزوني حين يتعلق الأمر بمعاقبة من يوزِّع “القفف” و”القنانات” و”الوعود بالتشغيل” و”العقود الموسمية” مقابل الأصوات؟
الجواب قد يكون بسيطاً ومعقداً في الآن نفسه:
لأن من يشرّع هو نفسه من يستفيد من غياب هذا القانون.
فقد أشار تقرير رسمي للمجلس الأعلى للحسابات (2023) إلى اختلالات خطيرة في تمويل الحملات الانتخابية، تشمل غياب تبريرات لمبالغ بالملايين وعدم تقديم فواتير مفصلة، ومع ذلك لم نشهد سوى حالات محدودة انتهت غالباً بغرامات رمزية أو طيّ الملفات” لعدم كفاية الأدلة”.
فمن يراقب من إذن؟
المرشح يراقب الناخب…
الناخب ينتظر “الإحسان الانتخابي” …
والقانون يراقب “الكلمات لا الميزانيات”.
الديمقراطية الرقمية بين الرقابة والستار
فيما تجعل الإشارة الصريحة إلى منصات الذكاء الاصطناعي المشهد أكثر حساسية: نحن أمام عصر يصبح فيه تشكيل صورة المرشح قابلاً للصناعة عبر برامج تولد خطابات، صوراً، وحتى تسجيلات “مقنعة”، وهنا تبدو الحاجة إلى ضوابط أمرًا مشروعاً..
لكن الخطر يكمن في خلط الضوابط بالمنع، والنقد بالتشهير، والمساءلة بالهجوم.
فالحياة السياسية الصحية لا تقوم على “مرشحين من زجاج” يُمنع الاقتراب منهم، بل على مبدأ أن من يطلب ثقة الشعب يقبل أن يكون تحت الضوء الكامل لا تحت ظل يختبئ خلفه القانون.
و في الواقع، لا أحد يعارض محاربة التشهير أو نشر الأكاذيب، لكن الخطر يكمن في توسيع مفهوم التشهير ليشمل كل ما يزعج أصحاب القرار أو يكشف المستور.
فالقانون في صيغته الحالية قد يحوّل الصحافة الاستقصائية إلى “نشاط محفوف بالمخاطر”، في وقتٍ تحتاج فيه البلاد إلى مزيد من الشفافية لا إلى مزيد من الصمت
حماية الديمقراطية لا تكون بإسكات الأسئلة
يطرح القانون الجديد خطوة تقنية مهمة، لكنه لا يكتمل إلا إذا “أُرفق بقانون واضح وصارم يعاقب من يستعمل المال والنفوذ للتلاعب بنتائج الانتخابات” ، مع آليات شفافة للرقابة والمحاسبة تتجاوز التقارير المناسبة وتصل إلى المحاسبة الفعلية.
فالمجتمع لا يحتاج إلى قوانين تخيفه من الكلام، بل إلى قوانين تحميه من الفساد.
لا يحتاج إلى معاقبة من يسأل، بل إلى معاقبة من يشتري الإجابات مسبقاً.
لا يحتاج إلى ضبط الكلمة، بل إلى ضبط السلطة والمال والنفوذ.
التشهير خطر، نعم.
والأخبار الزائفة خطر، نعم.
لكن أخطر منهما:
صمتٌ مفروض بالقانون،
وفسادٌ محمي بالشرعية.






