
وفق تقديرات بنك “غولدمان ساكس”، أضافت الصين نحو 15 طناً من الذهب إلى احتياطياتها من النقد الأجنبي خلال شهر سبتمبر، في إشارة واضحة إلى استئناف عمليات الشراء من قِبل البنوك المركزية بعد فترة ركود موسمية خلال فصل الصيف.. هذه الحركات، وإن بدت تقنية، إلا أنها تحمل دلالات قوية على إعادة توزيع الاحتياطيات الدولية وتحوّل في آليات التحوط ضد المخاطر الجيوسياسية والمالية.
وتيرة شراء البنوك المركزية: تصاعد ملموس
قدّر عدد من المحللين، من بينهم “لينا توماس” ، أن إجمالي مشتريات البنوك المركزية وصل إلى 64 طناً في سبتمبر — أي أكثر من ثلاثة أضعاف مشتريات غشت التي بلغت 21 طناً.، و يرى بنك “غولدمان ساكس” ان هذا الاتجاه ليس طارئًا، بل جزء من توجه مستمر، حتى أنه رجّح أن وتيرة الشراء ستواصل التسارع خلال نوفمبر.. كما يحافظ البنك على افتراضاته بمشتريات شهرية تبلغ نحو 80 طنًا في الربع الرابع ومن ثم خلال عام 2026.
يضع هذا التراكم المؤسسي للذهب المعدن النفيس في وضعية دفاعية واستراتيجية داخل موازنات الدول: فهو وسيلة لتنويع الاحتياطات بعيدًا عن الأصول المقومة بالعملات التقليدية، ومدخل للتحوط من تقلبات الأسواق والضغوط الجيوسياسية.
الأسعار والتقلبات: فائدة الدولار وسياسة الاحتياطي الفيدرالي تلعبان الدور
تذبذبت أسعار الذهب خلال الجلسات الأخيرة، فقد هبط السعر الفوري بنسبة 0.1% إلى 4,930 دولارًا للأونصة بعد تسجيل أدنى مستوى منذ 10 نوفمبر في وقت مبكر من الجلسة، بينما تراجعت عقود التسليم لشهر ديسمبر في الولايات المتحدة بنسبة 0.9% إلى 4,039 دولارًا للأونصة.. تعكس هذه الأرقام حساسية السوق لأي إشارة بشأن توقعات أسعار الفائدة في الولايات المتحدة.
هذا و انخفضت توقعات الأسواق بشأن احتمال خفض سعر الفائدة الشهر المقبل، فقد باتت التوقعات تشير إلى احتمال يقارب 46% بعد أن كانت 67% قبل أسبوع، وفق أداة متابعة الفائدة على موقع إنفستينج السعودي، قلص تغيّر هذه الاحتمالات من الجاذبية قصيرة الأمد للذهب، لأن المعدن يتأثر إيجابًا عادة ببيئة أسعار فائدة منخفضة.
إضافةً إلى ذلك، أدى أطول إغلاق حكومي أمريكي إلى تأجيل صدور بيانات اقتصادية رسمية، ما خلق حالة غموض مؤقتة أمام صانعي السياسات والمتداولين قبيل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المرتقب.. ومع استئناف البيانات، تضاءلت آمال خفض الفائدة في ديسمبر بعدما شدّد بعض مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي على ضرورة التحلّي بالحيطة، فيما نقلت التقارير تصريح نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي “فيليب جيفرسون” الذي دعا إلى التمهل في أي خفض إضافي.
لماذا يظل الذهب مهمًا رغم كونه أصلًا غير مُدرّ لعوائد؟
من الناحية الاقتصادية، الذهب لا يولّد عوائد كالفوائد أو الأرباح لكن دوره يتجلى في كونه مخزن قيمة وملاذًا في فترات عدم اليقين.. في السنوات الثلاث الماضية، كان تراكم مقتنيات البنوك المركزية محركًا رئيسيًا لصعود أسعار الذهب، حتى بلغت مستويات قياسية تجاوزت 4,380 دولارًا للأونصة في أكتوبر قبل أن تشهد تراجعًا طفيفًا أخيرًا.. و استمرار شراء البنوك المركزية، وفق #غولدمان ساكس”، يعني أن هناك طلبًا مؤسسيًا ثابتًا قد يدعم الأسعار على المدى المتوسط والبعيد، بغض النظر عن التقلبات الدورية الناجمة عن توقعات أسعار الفائدة أو بيانات اقتصادية قصيرة الأمد.
قراءة استثمارية ومحاذير للمستثمرين
توقّع “غولدمان ساكس” وصول سعر الذهب إلى 4,900 دولار للأونصة بنهاية العام المقبل، مرجّحًا أن يقوده كل من مشتريات البنوك المركزية وتدفقات المستثمرين من القطاع الخاص في ظل تيسير نقدي محتمل من الاحتياطي الفيدرالي، ولكن هذا السيناريو مرتبط بعدد من الافتراضات: استمرار وتيرة مشتريات البنوك المركزية، وعدم ارتفاع كبير لأسعار الفائدة يغيّر من جاذبية الذهب، وثبات الضغوط الجيوسياسية التي تحفّز الحيازة كتحوط.
على المستثمرين التمييز بين قوتين متعاكستين: قوة الطلب المؤسسي التي تميل إلى رفع الأسعار على المدى الطويل، والضغوط النقدية وسيولة السوق التي تؤثر على تقلب الأسعار على المدى القصير.. و بالتالي، يصحّ اعتبار الذهب جزءًا من محفظة الدفاع ضد المخاطر وليس وسيلة لتحقيق دخل دوري.
تحوّل استراتيجي وليس مجرد موجة شراء
ما تفعله الصين وباقي البنوك المركزية لا يقتصر على شراء معدن ثمين فحسب، بل هو إعادة رسم متدرّج لاستراتيجيات الاحتياطي عبر العالم.. هذه التحركات — بمعدلات شهرية متوقعة تصل إلى عشرات الأطنان — تمنح الذهب دورًا أكثر مركزية في السياسات الاحتياطية للدول، ومع أن الضغوط المتعلقة بتوقعات أسعار الفائدة قد تولّد تقلبات مؤقتة، فإنّ استمرار الطلب المؤسسي يضع الذهب في دائرة اهتمام استراتيجي للمستثمرين وصانعي السياسات على حدّ سواء.




