الرئسيةثقافة وفنوندابا tv

“ثيلما ولويز”: العصيان الأنثوي ضد الخرائط الذكورية

بقلم: الكاتب والإعلامي عبدالعزيز كوكاس

منذ نشأتها، شكّلت ما يسمى بأفلام الطريق (Road Movies) نمطًا سينمائيًا خاصًا، يُجسد الهروب من النظام والرغبة في التحرر، وعادة ما ارتبطت بشخصيات ذكورية.

لكن فيلم ثيلما ولويز يقوم بعملية تفكيك راديكالية لهذه البنية من خلال وضع امرأتين في قلب “الطريق” لا كهروب رومانسي ولكن كتمرد وجودي على العالم الذي يُقصي المرأة من خياراتها ومن سردها الذاتي.

عندما صدر الفيلم عام 1991، أطلق النقاد العنان لموجة كبيرة من الجدل بدا أنها فاجأت الممثلين وطاقم الفيلم. امرأتان خارجتان عن القانون محاصرتان في عالم أبوي، إحداهما تعرضت للاغتصاب والأخرى تعيش حياة خالية من المفاجآت وبلا روح، انطلقتا في مغامرة غير مخطط لها في عطلة نهاية الأسبوع، حيث ستواجه لويز مغتصبها القديم فتطلق النار عليه ثم تهرب.. بدلاً من تسليم أنفسهما، تقودان سياراتهما إلى غراند كانيون حيث ستتم مطارداتهما وسط سيارتهما كل أنواع الشرطة..
لم يفقد فيلم Thelma & Louise أيا من متعته وطرافته، حتى بعد مرور ما يقارب أربعة عقود على إنتاجه. لقد شكل بداية الصحوة النسوية الخاصة بتكسير السلطة الذكورية في المغامرة السينمائية.

بنية الحكاية: من النزهة إلى الانفجار


لا يقدم الفيلم شخصيات “بطولية” تقليدية بل نساء يكتشفن حريتهن عبر الجريمة، في سرد يُفكك الحدود بين العدالة والجريمة، الذنب والخلاص.

في البداية، تظن ثيلما أنها تخوض نزهة مع صديقتها لويز للهروب من زوجها المتسلط، لكن المسار يتغير جذريًا حين تواجهان عنفًا جنسيًا في موقف سيارات، وتقوم لويز بقتل المغتصب. فتبدأ رحلة اللاعودة، التي تتحول من دفاع عن النفس إلى تمرد علني على بنية المجتمع الذكوري.

داريل زوج ثيلما الغريب، النظيف، النبيل، غير قادر على التحدث مع زوجته بلطف ورومانسية، وحين لجأ إليه البوليس تواطأ معهم للإيقاع بها، لكن زوجته أدركت اللعبة، لذلك قالت لسائق الشاحنة الذي أزعجها بفظاظة تحرشه بهما على الطريق: “لم يكن زوجي لطيفا معي، وانظر كيف تحولت؟”، ستتولى لويز مهمة السطو على متجر وتحصل على كمية من المال تخططان به لمستقبلهما.. فتجد المرأتان نفسيهما في قلب مغامرة مشحونة بالخوف والجرأة والتحدي واليأس والإصرار على الوصول إلى الحد الأقصى..

لكن ظهور الفتى المحتال بقبعة الكوبوي (براد بيت) الذي جذب ثيلما، على الرغم من أنه قدم لها تحذيرا عادلا بأنه لص. سيتركها مع هدية نصائحه الإجرامية بعد أن سلبها المال الذي سرقتاه من المتجر، لذا سترتكب جريمة انتقاما مما تعرضت له على يد الفتى المكسيكي لإثبات أنها لا تقل ذكاء عن الرجل كما عبرت خلال احتجازهما لشرطي طاردهما.

يمثل الامتداد الشاسع لصحراء غراند كانيون ذروة رحلة ثيلما ولويز. لقد وصلت البطلتان المطاردتان إلى أعلى مستويات حياتهما، وبعد أن تجاوزتا أدوارهما التقليدية السابقة واحدة كربة منزل والثانية كنادلة، لم يعد هناك مكان آخر تذهبان إليه سوى الارتماء إلى أبعد مدى في الحدود القصوى للمغامرة.

حاصرتهما كل أطياف الشرطة لم يعد أمامهما سوى منحدر خطير يبرز في الفيلم كقمة للجمال الطبيعي، ويرمز كواد مذهل ينظر إليه مقابل السماء مجال الحلم والأمل، ستقرر المرأتان عدم الاستسلام للشرطة والارتماء من أعلى قمة الوادي، أي صعود المرأتين برحلتهما إلى أقصاها.

شخصيات أنثوية خارج القوالب

ثيلما (جينا ديفيس): في البداية تُجسد دور المرأة التقليدية الخاضعة لسلطة الزوج. لكنها خلال الرحلة، تنفجر، تنفصل، وتتحول إلى امرأة تقود مصيرها ولو بالدم.

لويز (سوزان ساراندون): تمثل الوعي النسوي المستبصر الذي لا يؤمن بإمكانية “الإصلاح” داخل النظام. ماضيها المُبهم (تُلمّح إلى تعرضها للاغتصاب في تكساس) يفسر حدّتها، وإصرارها على الخلاص الكامل.

الرجل في الفيلم: يظهر الرجال بصور متناقضة: من المغتصب، إلى الشرطي المتعاطف، إلى الشاب الوسيم المحتال… لكن جميعهم جزء من منظومة لا يمكن الوثوق بها، وهو ما يكرّس القطيعة مع العالم الذكوري كخيار أخير.

الرمز والموت: القفز خارج النظام

مشهد النهاية هو لحظة ذروة فكرية وجمالية. بدلًا من الاستسلام، تختار ثيلما ولويز أن تقفزا بالسيارة من الجرف .النهاية المفتوحة (التي تتجمد فيها اللقطة في الهواء) ليست هزيمة، بل فعل خلاص ميتافيزيقي، قفز خارج النظام، رفض للقبض، العودة والخضوع. الموت هنا، ليس نفيًا، بل إعادة امتلاك للذات: “نقرر نحن كيف ننتهي”.

في عمق هذا الفيلم، نقد للمجتمع الأمريكي نفسه ولخطاب “الحرية” المُعلّب. ما يُوعد به المواطنون، وخاصة النساء، لا يتحقق فعليًا. أمريكا – كما تصورها ثيلما ولويز- هي أرض الخضوع المقنّع بالقانون.

يُحطم الفيلم فكرة “المرأة الخاضعة” ويُعيد بناءها عبر المأساة والمقاومة. ضد نظام جعل من الجريمة آخر أبواب الحرية. في لحظة القتل، تستعيد المرأة جسدها ككيان لا يقبل الانتهاك. لكن الاستعادة تأتي على حساب القطيعة النهائية مع المجتمع.
هل يمكن أن تُحقق المرأة ذاتها خارج النسق دون أن تُدمر؟ وهل الهروب وحده يكفي لإعادة امتلاك المصير؟

الصورة واللغة السينمائية: نسوية بصرية

تمثل الصحراء والفراغ الواسع كلاسيكياً “أمريكا الكبيرة”، لكنها تتحول إلى مرآة لعزلة النساء.

لا تؤنث الكاميرا الشخصيات بل تتابعهن دون تمييع، في تقابل واضح مع كيفية تصوير الذكور في أفلام الطريق التقليدية. الألوان الحارة والغروب والنور القاسي تخلق جمالية توترية تُوازي الصراع الداخلي والخارجي للشخصيات.

قبل أن ترتميا بالسيارة، قالت ثيلما للويز: “دعينا لا نستسلم، لنستمر”. سينتهي الفيلم على هذه اللقطة، صورة السيارة معلقة في الهواء بين علو السماء ومنحدر الوادي السحيق.

ولويز وثيلما وسطها، فيما يحتشد رجال الأمن بكل أنواع سياراتهم وأسلحتهم مستغربين الموقف. ستظل نهاية هذا الفيلم أقوى صورة للخاتمة في تاريخ السينما وهو ما جعل الصحافية والناقدة الأمريكية ماريتا ستوركن تصف نهاية فيلم Thelma & Louise بأنها “مأساوية ومثالية في نفس الوقت”.

أما بالنسبة للمخرج ريدلي سكوت فقال: “يبدو أنه من المناسب أن تكمل المرأتان الرحلة، فالمغامرة بلا حدود والحرية بلا ثمن”، ويرمز إطار التجميد النهائي الأيقوني لصورة السيارة المعلقة بين السماء والأرض لحظة الارتماء من أعلى التل، إلى حرية ثيلما ولويز، بانتهائهما معلقتين في الهواء، فإن الصورة تخلد الشخصيات.. إذا فسر كل منا النهاية بشكل مجازي، فإن البطلتين لا تموتان ولكنهما تواصلان الطيران، لذلك ستبرز اللقطات بعض صعود الجنيريك كلا من ثيلما ولويز وهما مرحتان مما يدل على أنهما لم تموتا لكن لا أحد يستطيع أن يجزم بذلك.

تقبوا الحلقة القادمة مع: امرأة من شنغهاي: المتاهة البصرية والخذلان المجتمعي في سينما ويلز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى