الرئسيةمجتمع

جُهودٌ بلا أثر: حين تُهدر السياسات التنمية القروية في المغرب

وفي النهاية، ليست التنمية ترف مكتسب بل حق وإن لم تُستعاد لشعار "الأولوية" مصداقيته على الأرض، فستظل آيت بوكماز وغيرها تكشف زيف الإنجازات والحصيلة، "جهود" بلا أثر، في لحظة يتقاطع فيها الواقع بالتحولات العميقة، ويشتد فيها ضغط الأسئلة الكبرى.

بقلم بثينة المكودي

على أرض الواقع، لا تزال الفوارق المجالية قائمة، كما عكست ذلك احتجاجات ساكنة آيت بوكماز خلال سنة 2025، بعدما وُضِعت الجماعة السياحية المصنّفة ضمن المناطق ذات الأولوية، على هامش برامج التنمية لسنوات طويلة، مفارقة تُثير سؤال الجدوى كيف تتحول “الأولوية” إلى شعار بلا أثر، بينما تستمر العزلة وتتعطل أبسط حقوق العيش الكريم؟

في مناطق عديدة، يتكرر المشهد ذاته  قرى مدمّرة بفعل كوارث طبيعية، وطرقات مقطوعة، ومستوصفات مغلقة، ومدارس تُقاوم بما تيسّر من موارد هزيلة،  العزلة ليست قدَرًا جغرافيا فقط، بل سياسةً تُراكم الإقصاء حين يغيب الطبيب، وتنهار شبكة الهاتف، وتتعطل سيارة الإسعاف.

صندوق التنمية القروية… أعطاب هيكلية

الأسئلة المحرجة تتجه اليوم إلى صندوق التنمية القروية: ما جدوى البرامج إذا كانت آثارها لا تُلمَس على حياة الساكنة؟ تقارير رقابية وخلاصات خبراء تتحدث عن اختلالات بنيوية، على رأسها ضعف الحكامة وغياب التنسيق بين المتدخلين وتشتّت القرار وتعدد قنوات التمويل.

خبير التنمية القروية إدريس العدوي الصقلي لخّص الإشكال في حديثه للصحافة بالقول إن السياسة العمومية في المغرب “ذات وجهين”: مشروع حضري كبير يُنجز، وقروية واسعة تُهمل. وأضاف: “لن أقول مغربًا نافعًا وآخر غير نافع، بل مغربًا منتفعًا وآخر غير منتفع”. عبارة تختصر سنوات من “الاستثمار الانتقائي” الذي يُفاقم الهوّة بدل ردمها.

أموال تُصرف… بلا نتائج

لا ينفي العدوي الصقلي وجود جهود، لكنه يؤكد أن النتائج المرجوّة لم تتحقق. فالأثر على حياة السكان بقي محدودًا، والبرامج انزلقت إلى منطق “التدبير الإداري” بدل التنمية المستدامة، حيث تُنجَز المشاريع كأرقام في دفاتر الإحصاء أكثر منها حلولًا لأعطاب مزمنة.

والمقلق أن تعدد الآمرين بالصرف  الذين يفوق عددهم عتبة المائة  يُعقّد مسار القرار ويبعثر المسؤوليات، ما يُنتج بطئ في الإنجاز وارتباك في التتبع والتقييم،  هكذا، تتحول المال العام إلى “دورة بلا ذاكرة”: تُرصد الاعتمادات، تُوقّع الاتفاقيات، ثم يتلاشى الأثر في الطريق إلى القرية.

حكامة غائبة وقرار مُبعثر

غياب التنسيق يضاعف الهدر، وتعدد مصادر التمويل من غير انسجام يُربك الأولويات، وبين المركز والجهة، تتقاذف الملفات كما لو كانت أمانات ثقيلة، لينتهي المطاف بمواطن ينتظر الماء الصالح للشرب أو طريقًا معبدة أو طبيبًا قريبا  ويعود خالي الوفاض.

ما العمل؟

المطلوب اليوم ليس مزيدا من البرامج، بل برنامج واحد واضح وحكامة صارمة، وقرار موحّد، وتقييم مستقل، ومساءلة لا تستثني أحد،  المطلوب تنمية قروية تُقاس بالأثر، لا بعدد الأوراش المُعلن عنها،  فما لم تُوضَع حياة المواطن القروي في قلب السياسات، ستظل القرى تشبه “غرف انتظار” كبيرة تُهدر الأعمار على عتبة الأمل.

وفي النهاية، ليست التنمية ترف مكتسب بل حق وإن لم تُستعاد لشعار “الأولوية” مصداقيته على الأرض، فستظل آيت بوكماز وغيرها عنوانًا صارخًا لفشل يتكرر… وجُهود بلا أثر، في لحظة يتقاطع فيها الواقع بالتحولات العميقة، ويشتد فيها ضغط الأسئلة الكبرى، تبرز قضايا ملحة تحتاج إلى وضوح وحسم.

لم يعد النقاش ترفًا، بل ضرورة تحدد مسار السياسات وتكشف حجم التحديات، في زمن تتسارع فيه الأحداث وتضيق فيه مساحة الالتباس. هنا يصبح تقديم الحقيقة بلا تجميل واجبًا، وطرح الأسئلة الجريئة بداية أي إصلاح ممكن.

اقرأ ايضا…

«مسيرة الكرامة».. حين تمشي أيت بوكماز لكي يسمعها وينصفها الوطن+فيديو

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى