الرئسيةرأي/ كرونيك

عقل الدولة لا ينفعل: المغرب بين رمزية النجاح وارتباك الجمهور

بقلم: الصحافية هدى سحلي

في لحظات الأزمات، يظهر الفرق الجوهري بين منطق الجمهور ومنطق الدولة، الجمهور يغضب، يشمت، يبرر، وينفعل. أما الدولة، فلا يحق لها ذلك. الدولة التي تنفعل تفقد هيبتها، والدولة التي تبرر تُضعف موقعها، والدولة التي تبحث عن الحب تفرط في احترامها.

الرياضة مثلها مثل الدبلوماسية، مجال تنافس على الصورة والمكانة

ما أعقب نهائي كأس أمم إفريقيا لم يكن مجرد جدل رياضي أو توتر عابر، بل كان اختبارا حقيقيا لعقل الدولة؛ اختبارا كشف أن النجاح، حين لا يُدار ببرودة سياسية، يتحول إلى عبء رمزي.

منطق raison d’État يفترض حقيقة بسيطة: لا صداقات دائمة في العلاقات الدولية، ولا أخوة تُعفي من الصراع، ولا كرم يُعوض اختلال موازين القوة.

الرياضة، مثلها مثل الدبلوماسية، مجال تنافس على الصورة والمكانة. تنظيم بطولة ناجحة، فرض الأمن، التحكم في الفضاء العام، وبناء سردية إيجابية… كلها أدوات سيادة، وليست خدمات مجانية.

المغرب لم يُستهدف لأنه أخطأ، بل لأنه نجح

المغرب لم يُستهدف لأنه أخطأ، بل لأنه نجح. ونجاح الدولة في فضاء غير متوازن لا يُستقبل بالتصفيق، بل بالمقاومة.

المغرب نجح في تسويق صورته من خلال بنيته التحتية التي حظيت بإشادة دولية، ونجح باعتباره دولة حاضنة لمهرجان كروي كبير، أما الفوز في اللعبة نفسها، فشأنه شأن المنتخب والجامعة.

وحين فُتحت الأبواب على مصراعيها، لم يكن ذلك نتيجة اندفاع الدولة بعاطفة سياسية، بل تعبيرا عن مزاج اجتماعي وثقافي طغت عليه قيم الترحاب وحسن النية. المجتمع، لا الدولة، هو من افترض أن النجاح سيُنتج الامتنان، وأن الكرم سيقابل بالاعتراف.

عقل الدولة لايبني خياراته على الامتنان بل على الوقائع

أما عقل الدولة، فلا يبني خياراته على الامتنان، بل على الوقائع. والوقائع، في مثل هذه السياقات، تُظهر أن الكرم غير المتكافئ يُقرأ ضعفاً في المخيال الجماعي الإقليمي، وأن المرونة الاجتماعية تُفسر قابلية للضغط، وأن حسن النية، حين لا يُحاط بإطار سيادي واضح، يُستغل أكثر مما يُكافأ.

الهجوم الذي تلا النهائي لم يكن إلا محاولة لنزع الشرعية الرمزية عن دولة رفعت السقف أكثر مما يحتمله محيطها. وهنا، لا يكون الرد بمنطق الدفاع الأخلاقي أو التبرير الإعلامي، بل بمنطق الدولة الصامتة الواثقة.

الدولة التي تعرف وزنها لا تدخل في مهاترات، ولا تبرر نجاحها، ولا تشرح قوتها… هي تمارسها.

عقل الدولة لا يعني القسوة، بل الوضوح. لا يعني الانغلاق، بل ضبط العلاقة، ولا يعني التخلي عن القيم، بل فصلها عن إدارة المصالح. الدولة لا تُحب ولا تُكره… الدولة تُحترم. والاحترام لا يُنتزع بالشعارات ولا بالترحاب وحده، بل بالتماسك والانضباط والقدرة على فرض الإيقاع.

ربما كانت هذه اللحظة، بما حملته من توتر، فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين العاطفة والسيادة. فرصة لفهم أن الدولة التي تريد أن تكون فاعلا مركزيا لا يمكنها أن تتصرف كفاعل عاطفي، في عالم المصالح، وحده العقل البارد يصنع المكانة الدائمة.

الحملات العنصرية التي برزت على مواقع التواصل الاجتماعي مهاترات اجتماعية عابرة

لهذا، فإن الحملات العنصرية التي برزت على مواقع التواصل الاجتماعي، من قبيل الدعوة إلى ترحيل الأفارقة غير النظاميين، أو الترويج لخطاب النبذ وقطع التعامل معهم، لا تعدو في جوهرها سوى مهاترات اجتماعية عابرة، تبحث عن التنفيس بعد خيبة كروية أكثر مما تعبر عن موقف سياسي أو خيار سيادي.

هي ردود فعل انفعالية لجمهور مجروح في كبريائه الرمزي، لا تعكس عقل الدولة ولا منطقها، ولا يمكن أن تُؤسس عليها سياسات عمومية أو مواقف استراتيجية.

الدولة لا تُدار بالغضب ولا بالانتقام الرمزي

الدولة، حين تكون دولة، لا تُدار بالغضب ولا بالانتقام الرمزي، ولا تخلط بين تدبير الهجرة وحسابات الشارع، ولا بين حماية السيادة والانجرار وراء خطاب الكراهية.

ما يضمن المكانة ليس الصراخ ولا الإقصاء، بل الاستمرار في ضبط الإيقاع بعقل بارد، يحمي المصالح، يصون الصورة، ويفصل بصرامة بين انفعال المجتمع وحكمة الدولة.

و هكذا فإن جواب الدولة سيكون في سياساتها القادمة، وفي مشاركتها في مونديال 2026 بالولايات المتحدة، وتنظيمها مونديال 2030 وكان 2028.

أما جواب المجتمع فسيكون في حفاظه على تماسكه وقيمه، وعلى حفاوته بالضيوف باعتدال، والدفاع عن مصالحه داخليا وخارجياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى