
لماذا تصر الحكومة على عدم مراجعة الساعة؟
بقلم: بثينة المكودي
كل سنة، ومع حلول شهر رمضان، يكتشف المغاربة شيئ بسيط لكنه عميق الدلالة؛ الحياة تصبح أخف، النوم يعود إلى إيقاعه الطبيعي، والأطفال يستيقظون دون معاناة، والناس يشعرون بشيء من التوازن النفسي.
ليس لأن رمضان يغيّر قوانين الكون، بل لأن المغرب يعود مؤقتًا إلى توقيته الطبيعي غرينتش.
لكن ما إن ينتهي الشهر الفضيل حتى تعود عقارب الساعة لتقفز من جديد، ويعود معها الإحساس الجماعي بالارتباك كأن المغاربة يعيشون شهر واحد في الزمن الطبيعي، وأحد عشر شهر في زمن مفروض عليهم قسرا.
ثماني سنوات مرت على اعتماد الساعة الإضافية، منذ سنة 2018، دون أن تقدم الحكومة تقريرا وطني واضحا يجيب عن سؤال بسيط هل استفاد المغاربة فعلا من هذا التوقيت؟
ساعة الاقتصاد أم ساعة الإنسان؟
في جوهر النقاش، لا يتعلق الأمر بمجرد ستين دقيقة تضاف إلى اليوم، بل بصراع حقيقي بين منطقين مختلفين،
الأول هو الزمن الاقتصادي الذي يخدم مصالح شركات معينة ومراكز النداء المرتبطة بالتوقيت الأوروبي، والثاني هو الزمن البيولوجي الذي ينظم حياة البشر وفق ضوء الشمس وإيقاع النوم والاستيقاظ الطبيعي.
المفارقة أن الحكومة اختارت منذ سنوات الانحياز إلى الأول، بينما يتحمل المجتمع كلفة الثاني.
فالأطفال يذهبون إلى مدارسهم في الظلام، والعمال والعاملات يغادرون بيوتهم قبل شروق الشمس، فيما يعيش الكثيرون اضطرابات في النوم والتركيز.
لم يعد الأمر مجرد انزعاج عابر، بل تحول إلى إرهاق اجتماعي مزمن.
عندما تعترف الحكومة ضمنيًا بالمشكلة
المثير في القصة أن الحكومة نفسها تعترف بشكل غير مباشر بمشكلة الساعة الإضافية، حين تعود كل رمضان إلى توقيت غرينتش.
لو كان التوقيت الصيفي مناسبا حقا، فلماذا يتم إلغاؤه شهر كامل؟ هذا دون ان ان نتطرق لموضوع القانوني والغير قانوني.
هذا التذبذب في الزمن يكشف تناقض واضح يتجلى في كون
الدولة تدرك أن الساعة الإضافية غير منسجمة مع الإيقاع الاجتماعي للمغاربة، لكنها تصر على فرضها بقية السنة.
كلفة صحية لا يتحدث عنها أحد
عدد متزايد من الدراسات العلمية يحذر من آثار التوقيت الصيفي على الصحة النفسية والجسدية،
اضطرابات النوم، وضعف التركيز لدى التلاميذ، وارتفاع مستويات التوتر، بل وحتى زيادة مخاطر بعض الأمراض المرتبطة بالإجهاد المزمن.
الأطباء يتحدثون عن ظاهرة تعرف بـ “التأخر الاجتماعي”، حيث يضطر الجسم إلى العمل في وقت لا تزال فيه وظائفه الحيوية في طور الراحة.
والنتيجة مجتمع يستيقظ متعبا… ويعيش يومه في سباق دائم مع الوقت.
توفير الطاقة… الحجة التي سقطت
أحد أبرز المبررات التي قدمت لاعتماد الساعة الإضافية كان توفير الطاقة، لكن الدراسات تشير إلى أن هذا التوفير، إن وجد، يظل ضئيلا جدا.
بعض التقديرات تتحدث عن نسبة لا تتجاوز 0.1 في المئة، وهي نسبة لا يمكن أن تبرر كلفة اجتماعية وصحية بهذا الحجم.
بمعنى آخر، المغرب يربح دقائق من الكهرباء… ويخسر ساعات من الراحة النفسية للمواطنين.
العالم يتراجع… والمغرب يتشبث
اللافت أن العديد من الدول بدأت بالفعل مراجعة نظام التوقيت الصيفي، والنقاش في أوروبا حول إلغائه يتصاعد منذ سنوات، بعدما تبين أن مبرراته الاقتصادية لم تعد مقنعة.
لكن في المغرب يبدو النقاش متوقف عند نقطة واحدة،”القرار اتخذ… ولا أحد يريد مراجعته”.
توقيت الأرض لا توقيت الأسواق
المغاربة لا يطالبون بشيء معقد لا إصلاح دستوري ولا ثورة اقتصادية، المطلب بسيط جدا العيش وفق التوقيت الطبيعي الذي ينسجم مع الشمس ومع الساعة البيولوجية للإنسان.
فالوقت ليس مجرد رقم على شاشة الهاتف
إنه إيقاع الحياة اليومية، ونوم الأطفال، وراحة الأسر، وأمان التلاميذ والنساء الذين يغادرون بيوتهم في ظلام الصباح.
لذلك لم يعد السؤال المطروح اليوم لماذا نطالب بإلغاء الساعة الإضافية؟
بل السؤال الحقيقي هو لماذا تصر الحكومة على الإبقاء عليها رغم رفض المجتمع لها؟
لأن الزمن، في النهاية، لا يجب أن يخدم الأسواق فقط…
بل يجب أن يخدم الإنسان أولا.





