
على هامش دعوة نبيل بنعبد الله إلى وحدة اليسار دون شروط..وحدة القوى الديمقراطية: رهان المرحلة
وحدة القوى الديمقراطية والتفاف المواطنين حول المشروع الإصلاحي الكبير: رهان
بقلم كاتب الرأي: خالد فضيل
لا يمكن قراءة التاريخ السياسي الحديث للمغرب دون التوقف عند مركزية فكرة العمل الوحدوي في مسار القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية.
فقد شكّل هاجس توحيد الصف، في لحظات التحول الكبرى، أحد الشروط الأساسية لتعديل موازين القوى، وصون أفق المشروع الديمقراطي من التراجع أو الالتفاف.
ظلّ سؤال الوحدة حاضرًا باعتباره خيارًا استراتيجيًا كلما تعقّد السياق
منذ محاولات التنسيق بين حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية التي أفضت إلى تشكيل الكتلة الوطنية سنة 1970، مرورًا بالمسارات الاندماجية داخل اليسار التي تُوِّجت بتأسيس الحزب الاشتراكي الموحد سنة 2002، ثم تجربة فدرالية اليسار الديمقراطي سنة 2014، ظلّ سؤال الوحدة حاضرًا باعتباره خيارًا استراتيجيًا كلما تعقّد السياق واشتدّت الحاجة إلى وضوح الرؤية وتماسك الصف.
غير أن اللحظة الأبرز في هذا المسار تبقى تأسيس الكتلة الديمقراطية سنة 1992، بما مثّلته من انعطافة نوعية في المشهد الوطني. فقد كان ذلك التكتل تعبيرًا عن وعي تاريخي مشترك بضرورة استعادة المبادرة السياسية، وإعادة الاعتبار للمشروع الديمقراطي، وهو ما تُرجم في مكاسب دستورية وحقوقية مهمة خلال مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.
ظلّ الوعي بأهمية العمل الوحدوي مخترقًا لخطاب اليسار المغربي وملازمًا له
لقد ظلّ الوعي بأهمية العمل الوحدوي مخترقًا لخطاب اليسار المغربي وملازمًا له، سواء في شكل تكتلات انتخابية أو تنسيقات ميدانية أو خطوات اندماجية. غير أن المفارقة المزمنة تمثّلت في الفجوة بين القناعة النظرية بضرورة الوحدة، والتعثر العملي في تجسيدها. فكلما اشتدت الحاجة الموضوعية إلى تجميع القوى، برزت حسابات ظرفية أو حساسيات تنظيمية تؤجل الاستحقاق و تؤجج الخلافات وتعيد إنتاج التشتت.
في هذا السياق، تكتسب الدعوة الأخيرة التي أطلقها السيد نبيل بنعبد الله الأمين العام لحزب التقدم و الاشتراكية إلى توحيد جهود اليسار المغربي دلالة استراتيجية خاصة. فهي لا تُقرأ كمبادرة ظرفية، بل كإشارة إلى إدراك عميق بتحولات اللحظة التاريخية، وبحجم التحديات السياسية والاجتماعية والتنموية التي تواجه البلاد.
إعادة بناء قطب يساري ديمقراطي قوي ضرورة استراتيجية
إن سؤال الوحدة يطرح نفسه اليوم بإلحاح على الحس السياسي و الضمير الجمعي و جدول أعمال كل الديمقراطيين ، أفرادا و قوى ، إن كانوا فعلا حملة مشروع .
فالمعضلات الاجتماعية المتفاقمة، واتساع الفوارق المجالية، وارتفاع منسوب القلق الاجتماعي، وتراجع الثقة في الوسائط الحزبية، كلها عوامل تجعل من إعادة بناء قطب يساري ديمقراطي قوي ضرورة استراتيجية.
ذلك أن غياب قوة اقتراح تقدمية متماسكة يترك فراغًا في النقاش العمومي، ويضعف التعددية الفعلية داخل الحقل السياسي، و ييسر لجيوب مقاومة الإصلاح إمكانيات التمدد و فرص إعاقة الانتقال .
و لئن كانت الدعوة إلى الوحدة مبادرة سياسية ذات أهمية بالغة لمواجهة تحديات المرحلة، فإنها تتضاعف ، بلا شك ، حين تُربط بأفق الاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها النزال الانتخابي القادم.
فهذا الاستحقاق لن يكون محطة عادية، بل لحظة مفصلية في إعادة تشكيل ميزان القوى الوطني.
فالمواجهة لن تدور فقط حول تصدر المشهد النيابي و الأغلبية القادمة ، بل حول طبيعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية التي ستؤطر السياسات العمومية في العقد المقبل.
لقد رُفع شعار الدولة الاجتماعية كأفق استراتيجي، وتم تقديم النموذج التنموي الجديد كمرجعية لإعادة بناء الثقة وتحقيق العدالة المجالية. غير أن قطاعات واسعة من الرأي العام تتساءل عن مدى ترجمة هذه التوجهات و التوجيهات إلى سياسات ملموسة قادرة على صناعة الثروة و تطوير الناتج الداخلي الخام و تحسين معدلات النمو و تقليص الفوارق وضمان تكافؤ الفرص.
وفي هذا السياق، يصبح وجود قطب يساري ديمقراطي موحّد شرطًا لتأطير النقاش حول مضمون الدولة الاجتماعية، وحول كيفية تحويل النموذج التنموي من وثيقة مرجعية إلى تعاقد سياسي واجتماعي فعلي.
المرحلة المقبلة تتقاطع مع رهانات وطنية كبرى
ثم إن المرحلة المقبلة تتقاطع مع رهانات وطنية كبرى. فنحن على مشارف أجرأة الحكم الذاتي في نطاق الوحدة الترابية للبلاد و التأمين الدستوري للنظام السياسي و الإداري ، بما يحمله من أبعاد استراتيجية تتطلب جبهة داخلية متماسكة ومصداقية مؤسساتية قوية.
كما أن تنظيم كأس العالم 2030 يشكل لحظة فارقة في مسار المغرب التنموي والرمزي، بما يتيحه من فرص كبرى، وبما يفرضه من تحديات في مجالات الحكامة، والبنيات التحتية، والعدالة المجالية، وضمان استفادة اجتماعية واسعة ومستدامة من عائداته.
إن هذه التحولات تفرض مستوى عاليًا من النضج السياسي، ومن وضوح الاختيارات، ومن قوة الوسائط الحزبية القادرة على التأطير والمساءلة والمواكبة. ومن هنا، فإن النزال الانتخابي المقبل سيكون مفصليًا: إما أن يُكرّس استمرار اختلال التوازن في المشهد الحزبي، أو أن يفتح أفقًا لإعادة بناء تعاقد سياسي جديد، أساسه العدالة الاجتماعية، و استكمال الانتقال الديمقراطي، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
و يجدر الانتباه إلى أن هذا المسار لا ينفصل عن خصوصية النسق السياسي المغربي، حيث ظلت المؤسسة الملكية تضطلع بدور محوري في قيادة أوراش الإصلاح الكبرى.
فقد تكرّس عبر عقود من الفكر و الممارسة و الخبرة خيار إصلاحي مؤمن بالتراكم الكمي و بالطفرات النوعية ، قوامه التوافق بين المؤسسة الملكية والقوى السياسية الوطنية. وقد راهنت مكونات الحركة الوطنية والديمقراطية تاريخيًا على هذا التلاقي، باعتباره مدخلًا لتعزيز الاستقرار المؤسسي وتوسيع مجالات الإصلاح في الآن ذاته.
لا يتعارض بناء قطب يساري ديمقراطي قوي مع هذا الرهان، بل يعززه .
فهو يوفر شريكًا سياسيًا مؤهلاً للمساهمة في إنجاح أوراش الإصلاح، وتأطير المجتمع حولها، وضمان عمقها الاجتماعي واستدامتها. فالإصلاح في السياق المغربي كان دائما و سيظل ، حسب اعتقادنا ، سيرورة تراكمية يتداخل فيها منطق المبادرة المؤسسية مع دينامية الفعل السياسي و الاجتماعي و الحزبي.
فالمؤسسة الملكية، بما راكمته من شرعية تاريخية و تبصر سياسي و مبادرات إصلاحية، تشكل الركيزة الضامنة لمسار التحول، غير أن اكتمال هذا الأفق يظل متوقفًا على انخراط المواطنين والتفافهم الواعي حول المشروع الإصلاحي الكبير، باعتبارهم فاعلا حاسما في ترجيح كفة الاختيار الديمقراطي.
تأخذ دعوة السيد نبيل بنعبد الله بعدا يتجاوز حدود المبادرة الحزبية
لذلك تأخذ دعوة السيد نبيل بنعبد الله بعدا يتجاوز حدود المبادرة الحزبية لتغدو نداء استراتيجيا لإعادة بناء ميزان القوى استعدادًا لاستحقاق انتخابي سيكون له ما بعده.
لقد علمتنا تجارب الماضي أن اللحظات المفصلية يصنعها التقاء الضرورة الموضوعية مع الجرأة السياسية.
واليوم، تبدو شروط الضرورة متراكمة: تحديات اجتماعية ضاغطة، رهانات وطنية استراتيجية، وتطلع شعبي إلى تجديد الثقة في السياسة.
و عليه ، فإن الرهان الحقيقي للمرحلة يكمن في بلورة أفق سياسي جامع يستوعب طاقة المجتمع، ويترجم الالتفاف الشعبي إلى قوة اقتراح وبرنامج انتخابي واضح المعالم، قادر على تحويل خيار الإصلاح إلى تعاقد ديمقراطي متجدد.
إعادة تعريف القوى الديمقراطية موقعها ضمن جدلية الدولة والمجتمع
يبلغ السؤال الذي تطرحه اللحظة التاريخية اليوم حد المساءلة العميقة لقدرة القوى الديمقراطية على إعادة تعريف موقعها ضمن جدلية الدولة والمجتمع، وعلى الارتقاء إلى مستوى إنتاج أفق معنوي جديد للفعل السياسي، يجمع بين القدرة على تعزيز التوافق التاريخي مع المؤسسة الملكية، و تثمين المنجزات الوطنية ، واستيعاب التحولات المجتمعية المتسارعة، و إعادة التوهج لجذوة الإصلاح و التحول إلى قوة انتخابية كفيلة بإحداث الفرق في منعطف حاسم من تاريخ البلاد.
ذلك هو رهان المرحلة، وتلك هي مسؤولية الديمقراطيين ، كل الديمقراطيين أمام التاريخ.
اقرأ أيضا…






