الرئسيةرأي/ كرونيك

في شروط بناء فعل يساري موحّد

بقلم: عبدالرحيم بنصر

كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية عاد الحديث عن ضرورة توحيد اليسار. يتكرر الخطاب ذاته، وتتجدد الدعوات نفسها، وكأن وحدة اليسار لا تُستدعى إلا عند اقتراب صناديق الاقتراع.

وحدة اليسا ضرورة تاريخية مرتبطة بالتحولات العميقة التي يعرفها المجتمع

غير أن هذا التصور يختزل المسألة في بعدها الظرفي، بينما وحدة اليسار – إن أُريد لها أن تكون فعلًا سياسيًا مؤثرًا – ينبغي أن تُفهم باعتبارها ضرورة تاريخية مرتبطة بالتحولات العميقة التي يعرفها المجتمع.

فما يُطرح اليوم بوصفه مطلبًا ظرفيا هو في العمق سؤال يتعلق بموقع اليسار داخل الحقل السياسي، وبقدرته على إعادة بناء حضوره وتأثيره في صياغة الأفق المجتمعي.

غير أن هذا المسعى، رغم مشروعيته، لم يتجاوز منذ عقود مستوى إعلان النوايا الحسنة. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة أذكر منها طبيعة تشكل اليسار ذاته، وتعدد مساراته وتياراته، وانقسام تنظيماته، فضلًا عن اصطدامه بواقع اجتماعي وسياسي معقد لم ينجح بعد في امتلاك الأدوات التنظيمية والمعرفية القادرة على استيعابه وبناء إجابات سياسية متماسكة.

فالمسألة ليست غياب المشتركات، بل غياب القدرة على تحويلها إلى مشروع سياسي منظم.

ومع ذلك، فإن هذا التعدد في الرؤى وما رافقه من تشتت لا ينبغي أن يحجب ما يجمع هذه المكونات من قيم ومبادئ مشتركة ما تزال حية و قادرة على تشكيل قاعدة موضوعية لإعادة البناء. فالمسألة ليست غياب المشتركات، بل غياب القدرة على تحويلها إلى مشروع سياسي منظم.

مشكلة اليسار ليست في تنوعه ، بل في عجز مكوناته عن تجاوز ذاتيتها الضيقة وافتقاد الإرادة الجماعية الفعلية والثقة المتبادلة واستمرار الأحكام المسبقة بين أطرافها . كما يكمن في عدم ارتقاء وعيه إلى إدراك ما يمكن يحدثه توحيده من رجة مجتمعية تعيد للعمل السياسي وهجه ومصداقيته .

«شعب» اليسار أوسع بكثير من حدوده التنظيمية

فـ«شعب» اليسار أوسع بكثير من حدوده التنظيمية، وهو ينتظر إشارات سياسية واضحة تعيد إليه الثقة وتدفعه إلى الانخراط في مشروع سياسي قادر على تمثيل تطلعاته وانتظاراته المشروعة. وهنا تصبح القضية مسألة بناء كتلة اجتماعية عريضة للتغيير، لا مجرد إعادة ترتيب تحالفات انتخابية ظرفية.

غير أن هذا المشروع لا ينبغي أن يظل أسير اللحظة الانتخابية، بل يجب إدراكه كضرورة تاريخية تفرضها طبيعة البنيات الاجتماعية وموازين القوى القائمة، مع الوعي بحدوده المرتبطة بمهام المرحلة وبمصالح القوى الاجتماعية المعنية بالإصلاح والتغيير.

ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد المعيار الإيديولوجي الصارم أساسًا وحيدًا لبناء التحالفات لا يبدو خيارًا واقعيًا، ولا يمكن أن يخدم مشروعًا يسعى إلى توسيع قاعدته الاجتماعية في سياق متغير.

فالتحالف بين القوى السياسية لا يعني ذوبان أحد الأطراف في الآخر، كما لا يعني إلغاء الاختلاف أو التناقض بينها. لكنه في الوقت نفسه لا يلغي إمكانية الصراع داخل إطار الوحدة، لأن حدود التحالف تظل دائمًا مشروطة بأهداف المرحلة و متطلباتها .

تتباين التحالفات في اتساعها وعمقها ومدتها

ولهذا تتباين التحالفات في اتساعها وعمقها ومدتها، خاصة عندما تنتقل من تفاهمات قيادية فوقية إلى تحالفات اجتماعية حقيقية تتجذر في القواعد، وتُترجَم إلى عمل جماهيري منظم ومشترك.

لا أضيف شيئا حين أقول إن الأفكار لا تتحول إلى قوة مادية إلا عندما تنتقل من مستوى الخطاب إلى مستوى التنظيم والفعل الاجتماعي.

غير أن ذلك لا يعني أن تتخلى القوى المتحالفة عن برامجها الخاصة أو تموقعاتها السياسية، بل أن تدير اختلافاتها ضمن أفق مشترك يحدد الأولويات ويضبط الحدود ويُبقي باب الصراع السياسي مشروعًا لكنه منظم.

وحدة الأضداد نسبية وظرفية

فقانون التناقض يظل ملازمًا لقانون وحدة الأضداد؛ إذ لا تناقض خارج إطار وحدة ما. ووحدة الأضداد نسبية وظرفية، بينما الصراع يظل عنصرًا دائمًا في الحركة السياسية.

ومن ثمّ، فإن بعض اللحظات التاريخية قد تخلق أساسًا موضوعيًا لتقاطع المصالح بين قوى اليسار وبعض المكونات المنتمية إلى اليمين الوطني الديموقراطي ، في إطار إنجاز مهام سياسية أو اجتماعية محددة.

لذلك فإن أي تحالف سياسي حقيقي يقتضي أرضية واضحة وبرنامجًا مرحليًا يستجيب لمتطلبات المرحلة؛ برنامجًا قابلًا للتقييم والمراجعة، لا مجرد إعلان طموحات بعيدة المدى. وهو البرنامج الذي يحدد القوى التي لها مصلحة في إنجازه، كما يحدد القوى التي تشكل مصالحها و مواقعها عائقا أمام إنجازه .

وكما عبر عن ذلك صاحب كتاب «رأس المال»، فإن الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم، لكنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها، بل في شروط تاريخية ومادية موروثة ومفروضة عليهم.ظروف يواجهونها كما هي معطاة ومنقولة اليهم من الماضي .

التاريخ لا ينتظر إحدا

لذا لا نستطيع حل معادلة لا تتوفر في معطياتها عناصر حلها . لذلك لا تضع الإنسانية أمامها إلا المشاكل التي تستطيع حلها .

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه اليسار اليوم لا يكمن فقط في تجاوز التشتت التنظيمي، بل في قدرته على بناء أفق سياسي واجتماعي يستجيب لانتظارات فئات واسعة من المجتمع.

فالتاريخ لا ينتظر إحدا ، والتحولات الجارين تعيد تشكيل موازين القوى بوتيرة متسارعة . وفي مثل هذه اللحظات ، يصبح الرهان الأساسي هو القدرة على تحويل القيم المشتركة إلى مشروع سياسي ملموس ، وعلى الانتقال من منطق التنافس داخل الهامش الي منطق الفعل المشترك داخل المجتمع. فبقدر ما ينجح اليسار في تحقيق ذلك ، بقدر ما يستطيع أن يستعيد حضوره ودوره في صياغة المستقبل .

ومن ثمّ، فإن على مكونات اليسار المنظم وغير المنظم أن تعيد التفكير في علاقتها ببعضها البعض على أساس المسؤولية التاريخية المشتركة، وأن تتجنب منطق التخوين أو الوصاية، وأن تركز على ما يوحدها لا ما يفرقها وذلك في أفق بناء عمل جماعي يخدم قضايا وطننا وشعبنا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى