
إعلام عبري..إغلاق شامل يضرب قلب القدس الديني
عن هارتس وترجمة “الأيام الفلسطنية”
صباح أول من أمس، بعد ما يقارب خمسة أسابيع على الإغلاق، عاد وديع حجار إلى كشك العصير الخاص به في ساحة مدخل كنيسة القيامة بالبلدة القديمة في القدس.
ساحة خالية وانتشار الشرطة
فهو يدير هذا الكشك الصغير منذ 35 عاماً، وكلّ عام، تُعدّ فترة الأسبوعين من عيد الفصح – من بداية العيد الكاثوليكي وحتى نهاية العيد الأرثوذكسي – الأهم بالنسبة إليه خلال السنة، لكن في هذا العام كانت الساحة خالية تقريباً، باستثناء امرأة واحدة كانت ترتّل ترانيم مسيحية بصوت عالٍ، وعدد من رجال الشرطة.
فجأة وصل إلى المكان مفتشان من البلدية، وبحسب ادّعائهما، خالف وديع القانون؛ لأنه أضاف إلى الكشك، الذي يعمل بترخيص، مظلة صغيرة لتوفير الظل للفواكه والثلاجة التي تحتوي على زجاجات الماء.
قام المفتشان بتحرير مخالفة بقيمة 475 شيكلاً بحقه بسبب انتهاك قانون البلدية المحلي المتعلق بالنظافة والنظام. بالنسبة إلى وديع، كانت هذه القشة التي قصمت ظهر البعير.
وقال وديع غاضباً، وهو يصرخ بالمفتشَين اللذين ابتعدا: “لديّ ستة أطفال، أنا وزوجتي نعيش في شقة مساحتها 65 متراً في مخيم شعفاط، أجني 100 وربما 150 شيكلاً فقط لأتمكن من شراء الطعام لأطفالي، هذا كل شيء.
المدينة القديمة هي بلا شك المنطقة الأكثر تأثراً بالحرب
ماذا يريدون مني؟ لم نعمل طوال خمسة أعوام (عاما كورونا وأعوام الحرب)، والآن، أجلس في البيت منذ شهر بلا عمل. جئت لأتنفس الهواء”، صرخ، منزعجاً، خلف المفتشَين المبتعدَين.
المدينة القديمة هي بلا شك المنطقة الأكثر تأثراً بالحرب، مقارنةً بأي مكان آخر في القدس؛ فمنذ بداية الحرب أصبحت هذه المنطقة الوحيدة التي تفرض فيها الشرطة الإغلاق على جميع المحال التجارية، باستثناء محال المواد الغذائية، وتحظر كل التجمعات.
حتى الآن، أدى هذا الحظر إلى إلغاء أو تقليص كبير في اثنين من بين ثلاثة من أهم الأحداث الدينية في تقويم البلدة القديمة؛ ففي نهاية شهر رمضان تم إلغاء صلاة ليلة القدر، التي يشارك فيها، تقليدياً، نحو ربع مليون مصلٍّ كل عام..
إذا لم تنتهِ الحرب سيتم إلغاء الحدث الثالث
أول من أمس أُقيمت بركة الكهنة في ساحة الحائط الغربي، حيث يشارك فيها عادةً عشرات الآلاف من المؤمنين اليهود، لكن هذه المرة، بمشاركة محدودة ببضع عشراتٍ فقط من المصلّين.
ويوم السبت القادم، إذا لم تنتهِ الحرب، سيتم إلغاء الحدث الثالث، “سبت النور” الأرثوذكسي، الذي يشارك فيه سنوياً عشرات الآلاف من المؤمنين من الكنائس الشرقية.
وهكذا، في الوقت الذي تعجّ سوق محانيه يهودا وشوارع وسط المدينة والمراكز التجارية في القدس بآلاف الناس، تبدو شوارع البلدة القديمة خالية تماماً، والمتاجر مغلقة، ولا يُرى أحد في الشوارع تقريباً سوى رجال الشرطة.
وفي ظل ضائقتهم، يخاطر بعض التجار بفتح نصف باب المتجر وإلقاء نظرة على الشارع على أمل جذب زبون عابر، وفي المقابل يمرّ رجال الشرطة، ويهددون أصحاب المحال لإغلاقها، وتبرّر الشرطة هذا التعامل المختلف مع البلدة القديمة بأنها مكان خطِر بشكل خاص، إذ لا يوجد فيها أيّ ملاجئ، كما أن الأزقة الضيقة لا تسمح بدخول مركبات الطوارئ، أو تنفيذ عمليات إنقاذ، في حال سقوط صاروخ إيراني داخل الأسوار، كذلك أشار أحد ضباط الشرطة إلى أن كثرة الفراغات تحت الأرض في البلدة القديمة تزيد في خطورتها، وقال: “كل شيء هنا مجوّف، وعندما يسقط صاروخ تشعر بأن كل شيء يهتز.
هذا خطير جداً”. ومنذ بداية الحرب، تعرضت القدس الشرقية والبلدة القديمة لسقوط عدد من الصواريخ، ويُرجَّح أن يكون الموقع الجغرافي هو السبب، حيث يحدث التقاطع بين الصواريخ الإيرانية الآتية من الشرق وصواريخ الاعتراض الإسرائيلية من الغرب فوق الجزء الشرقي من المدينة.
ظاهرياً يبدو أن تطبيق القيود متساوٍ على أتباع الديانات الثلاث
قبل نحو أسبوعين ونصف الأسبوع، أصاب رأس حربي الحيّ اليهودي وألحقَ أضراراً، وقبل ذلك بأيام سقطت شظايا كبيرة بالقرب من كنيسة القيامة، وأُخرى أصغر في الحرم القدسي.
ظاهرياً، يبدو أن تطبيق القيود متساوٍ على أتباع الديانات الثلاث، إذ إن “حائط المبكى” والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة كلها شبه خالية من المصلّين، لكن على الرغم من ذلك، فإنه توجد فروق واضحة: المسلمون مُستبعدون تماماً عن الحرم القدسي، حيث تسمح الشرطة منذ بداية الحرب بدخول 25 موظفاً فقط من “الأوقاف”، ويعتقد الفلسطينيون في القدس أن الشرطة تستغل الحرب لإبعادهم عن البلدة القديمة والمسجد الأقصى.
أمّا المسيحيون، فيُسمح لهم بالصلاة ضمن مجموعات تصل إلى 50 شخصاً داخل كنيسة القيامة.
وتم التوصل إلى هذا الاتفاق بين الشرطة والطوائف المسيحية، الأسبوع الماضي، بعد أزمة دولية اندلعت عندما منعت الشرطة بطريرك اللاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، من دخول الكنيسة في أحد الشعانين (بداية احتفالات الفصح الكاثوليكي).
ويُعتقد أنها كانت أول مرة منذ مئات السنين التي لا يدخل فيها البطريرك الكنيسة في بداية عيد الفصح. وتصاعدت الأزمة بسرعة، فتم استدعاء السفير الإسرائيلي في روما للتوبيخ، وهاجم قادة أوروبيون إسرائيل، واضطر رئيس الوزراء إلى تقديم اعتذار.
في أعقاب الحادث، توصل قادة الطوائف المسيحية والشرطة إلى تفاهمات بشأن بقية مناسبات العيد، وحسبما ذُكر، تسمح الشرطة في الأيام الأخيرة بإقامة الطقوس بمشاركة 50 شخصاً فقط. ذ
لكن المسيحيين أيضاً مقتنعون بأن الاعتبارات الأمنية ليست وحدها التي تقف خلف هذه القيود في البلدة القديمة، وقال أحد السكان المسيحيين هناك بمرارة: “هذا يشبه ما حدث في فترة كورونا، كأن المرض كان موجوداً فقط داخل الأسوار.
يجب إيجاد حلّ، أمِّنوا ملاجئ، لكن لا يمكن أن تكون الحرب عندنا فقط”.
وفي رسالة أرسلها البطريرك بييرباتيستا بيتسابالا لأتباعه، أول من أمس، قال: “اليوم في القدس، نمرّ بعيد فصح مختلف وغريب جداً، بلا تجمعات، بلا ناس، وبحضور منخفض جداً.
من الصعب جداً الشعور بأجواء العيد وفرح اللقاء، لكن على الرغم من كل شيء، هذا هو الفصح، ولا يمكن عدم الاحتفال به في القدس.
نعلم من الكتب المقدسة أن القيامة (قيامة يسوع) حدثت خلال الليل، في الظلام.
هذه هي رسالتي، لا توجد ظلمة، ولا يوجد وضع يمنعنا من الاحتفال، حتى في الظروف الصعبة التي نعيشها..ذ
القيامة هي نوع من الرفض، رفض لعدم الإيمان، وللخوف”.
أمّا بالنسبة إلى اليهود، فيبدو أن هناك قدراً أكبر قليلاً من المرونة؛ صحيح أن ساحة “حائط المبكى” شبه خالية منذ بداية الحرب، لكن يُسمح لعشرات المصلّين بالدخول بالتناوب للصلاة في المنطقة (ضمن أنفاق الحائط).
وتؤكد “مؤسسة تراث الحائط” أن العدد المسموح به هو 50 مصلّياً فقط، لكن من اللافت أن إحدى الكاميرات الثلاث التي توثّق ما يجري في الموقع، وهي الكاميرا التي تغطي منطقة قوس ويلسون، لا تعمل منذ بداية الحرب.ذ
أول من أمس، شُكلت طوابير كبيرة من اليهود المتدينين عند بوابات البلدة القديمة وفي الأزقة المؤدية إلى “حائط المبكى”، حيث حاولوا الوصول، لكن الشرطة منعتهم، ومع ذلك، كان معظم الموجودين داخل البلدة القديمة من اليهود، بعضهم تمكّن من الصلاة من شرفات تطل على الحائط، كذلك سُمح لعشرات الكهنة بالمشاركة في “بركة الكهنة”، كان بينهم شخصيات بارزة.
ويظهر الفارق بين المجموعات السكانية أيضاً في الحي اليهودي، حيث كان هناك حركة أكبر للناس، مقارنةً بأي مكان آخر في البلدة القديمة، ففي كنيس “الخراب”، وهو الكنيس المركزي في الحي اليهودي، تم إحصاء أكثر من مئة مصلٍ، ظُهر أول من أمس، فضلاً عن عشرات آخرين في الخارج.





